وشئ آخر هو : خامسا أنه يكثر من الجدل ، ويعنى بالبرهنة على مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين ، في براهين منطقة عقلية ، ذكر مثلا وزن أشياء وبرهن على رأيه فيها ، وذكر « 1 » أن أمثلة الأفعال مشتقة من المصادر كما أن أسماء الفاعلين والمفعولين مشتقة منها ، وهذه برهنته على رأيه فاستمع إليها ، قال :
« لو كانت المصادر مشتقة من الأفعال لجرت على سنن في القياس ، ولم تختلف كما لم تختلف أسماء الفاعلين والمفعولين ، فلما اختلفت المصادر اختلاف سائر الأجناس دل ذلك على أن الأفعال مشتقة منها ، وأنها غير مشتقة من الأفعال « 2 »
وأيضا ، فلو كانت المصادر مشتقة من الأفعال لدلت على ما في الأفعال من الحدث والزمن وعلى معنى ثالث ، كما دلت أسماء الفاعلين ، والمفعولين على الحديث ، وذات الفاعل ، والمفعول به ، وكذلك سائر المشتقات . فلما لم تكن المصادر كذلك علم أنها ليست مشتقة من الأفعال « 3 »
فأما اعتلالها باعتلال الأفعال فلا يدل على أنها مشتقة منها ، كما أن اعتلال بعض أمثلة الفعل لبعض لا يدل على أن بعض الأفعال مشتق من بعض « 4 » .
وأنت إذ تقرأ هذا الكلام تحس كأنك أمام برهان على نظرية من نظريات الهندسة ، ولا بد أن تقرأه على مهل وتمعن لتدرك ما فيها من مقدمات وأدلة وحجاج
وقد رأينا خلو كتاب الإيضاح من هذه المحاجّة المنطقية الدقيقة ، اللهم إلا ما ورد في أخرة هذا الكتاب ، وكأنه أراد بذلك أن يمهد لتمرس المتعلم بهذه البراهين ، ليتقبلها مبثوثة في التكملة هنا وهناك . .
وسادسا ، أنه يستغل مسائل العروض في التكملة ، فيقول مثلا في باب الابتداء بالكلم التي يلفظ بها ، كل حرف من أول كلمة يبتدأ بها من اسم ، أو فعل ، أو حرف فهو متحرك ، ولا يبدأ بحرف ساكن في اللغة العربية ، والدليل على أنهم لا يبتدئون بالساكن أنهم لم يخففوا الهمزة إذ كانت في أول كلمة يبتدأ بها نحو : « أأن رأت رجلا أعشى أضرّ به . . . » لأن في تخفيفها تضعيفا للصوت ، وتقريبا من الساكن فكما لم يبتدءوا بالساكن لم يبتدءوا بما قرب منه . وأمر آخر يدل على رفضهم الابتداء بالساكن ، وهو أنهم لم يخرموا متفاعلن كما خرموا فعولن ونحوه ، لأن متفاعلن يسكن ثانيه
هامش
( 1 ) 106 .
( 2 ) انظر الانصاف 146 فقد كادت ألفاظ الفارسي تظهر في تدليل الأنباري .
( 3 ) انظر الانصاف 147 فقد أورد قريبا من هذا الكلام بحروفه .
( 4 ) 162 .