لأن الطريق ضرب منها ، واستشهد بما أنشده أبو زيد وبما روى عن طرفة ، رأيت بنى غبراء لا ينكروننى « 1 » .
وهكذا أعانه على التفسير اللغوي حافظة قوية واعية لآى القرآن الكريم وشواهد الشعر ، مع قوة الاستحضار ، وانثيال المعاني وتداعيها .
* * * وترى في المثال السابق نزعة الاستطراد وإن كان يبدو خفيفا ، وحينا يتعلق بما يعرض خلال حديثه عن المسألة مما هو متصل بها اتصالا بعيدا .
عقد مسألة في رأى وما تصرف منه « 2 » ثم جره الاستطراد إلى الكلام في أن أصل ( لن ) لا أن « 3 » ، وجره الحديث إلى الكلام في الإمالة « 4 » والكلام في المجموع « 5 » ، وذكر رأيه في قوله : وتلك الغرانقة العلى « 6 » والكلام على قول الشاعر :
وتضحك منى شيخة عبشمية * كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا « 7 »
وساق كلاما في إسكان عين الفعل الماضي الثلاثي ، « 8 » وآخر في إلحاق الهاء بآخر فعل الأمر المعتل بعد حذف لامه « 9 » ، وذكر الاختلاف في كتابة آخر المقصور بالياء والألف « 10 » .
* * * وفي الحلبيات قدر صالح من الصرفيات ، والتوجيه الإعرابى ، وقد رأيته يحكم نزعة الاعتزال عنده في ذلك التوجيه ليتفق مع عقيدة المعتزلة وما يقولون :
قال : فأما ما روى من قوله : « ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر » فإن قال قائل : ما تنكرون أن يكون ذلك من الرؤية التي هي إدراك الحاسة ، لأنه تعدى إلى مفعول واحد ، وتلك الأخرى تتعدى إلى مفعولين ، فالقول أن هذه أيضا ليست التي هي إدراك البصر ، وإنما جاز ألا يذكر المفعول الثاني الذي تقتضيه المعتدية إلى المفعولين ، لأن الكلام قد طال بما هو بمعنى المفعول الثاني لو أظهر ، ألا ترى أن قوله :
كما ترون القمر ليلة البدر انما هو تأكيد وتشديد للتيقن والتبعيد من اعتراض الشبه على العلم به تعالى ، فإذا كان كذلك كان بمنزلة ذكر ما هو بمنزلة المفعول الثاني إذا جرى ذكره في الصلات نحو علمت أنا زيد منطلق وأحسب الناس أن يتركوا ، فكما سد ما جرى في الصلتين مسد المفعول كذلك سد ما بعد المفعول الأول في الحديث مسد المفعول .
ويحتمل وجها آخر ، وهو أن يكون المعنى ترون علم ربكم كرؤية ليلة البدر ، فالمبتدأ الذي دخل عليه الذي هو بمنزلة علمت المتعدية إلى مفعولين علم ربكم كرؤية
هامش
( 1 ) انظر الحلبيات من 6 - 10 .
( 2 ) 23 .
( 3 ) 26 .
( 4 ) 28 .
( 5 ) 33 .
( 6 ) 57 .
( 7 ) 61 .
( 8 ) 64 .
( 9 ) 65 - 66 .
( 10 ) 68 - 72 .