قبل هذين كان النحاة القراء ، وكان لهم جميعا اختيار فيما يتصل بالأداء ، فنقلت هذه الاختيارات إلى القراءات واعتد بها القراء ، مؤثرين ما نقلوه عن آراء البصريين .
وإليك بعض الأمثلة التي بها أستشهد على موقف الداني من نحو الكوفيين :
علل الداني إمالة حمزة والكسائي « بلى » مستندا إلى قول الكوفيين في تعليل إمالتها بقولهم : « إنما أميلت بلى ، لأن الألف التي في آخرها للتأنيث بمنزلتها في حبلى وسكرى ، ولذلك كتابنا ياء ، والأصل بل زيدت عليها الألف دلالة على أن السكوت عليها ممكن ، وأنها لا يعطف ما بعدها على ما قبلها كما تعطف بل . ويمكن عندهم دخول علامة التأنيث عليها كما يمكن دخولها على نظائرها من الحروف نحو رب ، وثم قيل ربت ثمت . . . فأدخل عليها التأنيث دلالة على تأنيثها .
حدثنا بمعنى هذا محمد بن أحمد عن ابن الأنباري عن أصحابه الكوفيين « 1 » .
ثم نراه في حديثه عن وزن خطايا بعد أن يبين الأسانيد المختلقة ، ويذكر الذي قرأ رواية عن شيوخه - يذكر اختلاف النحويين في كيفية أصل ذلك ، فيروى قول الخليل وسيبويه من أن وزنها فعايل « 2 » ، ويروى قول يحيى بن زياد الفراء والكسائي من أن وزنها فعالى « 3 » ، ثم يرجح قول الكوفيين كما ذهب إليه القراء .
وكذلك « كلتا » يورد خلاف الكوفيين والبصريين ثم يقول : « وعلى قول الكوفيين عامة القراء وأهل الأداء « 4 » ومن هنا نراه يرد عن الفراء ، ولا ينسب إليه غلطا ، وإنما كان الغلط ممن نقل عنه ، وذلك : « حدثنا محمد بن أحمد قال :
حدثنا محمد بن القسم قال : قال الفراء : حذفت واو الجمع في قوله :
« نَسُوا اللَّهَ »
« 5 » .
قال أبو عمرو الداني : « ولا نعلم أن ذلك كذلك في شئ من مصاحف أهل الأمصار ، والذي حكى عن الفراء غلط من الناقل « 6 » : وبمثل ذلك يقف من الكسائي ويوثقه ويجعله قرين سيبويه في النقل عن العرب والاعتداد بما نقل .
وبعد : فها هو ذا الداني في كتابه الموضح ، وها هو ذا مكانه البعيد في الدراسات
هامش
( 1 ) الموضح 225 .
( 2 ) 113 .
( 3 ) 114 .
( 4 ) الموضح 310 .
( 5 ) س 9 آية 67 ، وس 9 آية 19 .
( 6 ) المقنع 38 .