ليس بتكرير لا فائدة فيه ، ألا ترى أنه قد يجوز أن يزيلهما عن مواضعهما ، ولا يخرجهما مما كانا فيه من الدعة والرفاهية ، فإذا كان كذلك لم يكن تكريرا غير مفيد ، وعلى أن التكرير في مثل هذا الموضع لتفخيم القصة ، وتعظيمها بألفاظ مختلفة ليس بمكروه ولا مجتنب ؛ بل هو مستحب مستعمل كقول القائل : أزلت نعمته ، وأخرجته من ملكه ، وغلظت عقوبته ، وقالوا : « زال عن موضعه وأزلته » ، وفي التنزيل :
« إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا »
وفيه :
« وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ » .
حجة من قرأ فأزلهما الشيطان « أن أزلهما يحتمل تأويلين : أحدهما : كسبهما الزلة ، والآخر أن يكون : أزل من زل الذي يراد به عثر . والدلالة على الوجه الأول ما جاء في التنزيل من تزيينه لهما تناول ما حظر عليهما جنسه بقوله :
« ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ »
إلى قوله :
« لَمِنَ النَّاصِحِينَ »
وقوله عز وجل :
« فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما »
وقد نسب كسب الانسان الزلة إلى الشيطان في قوله عز وجل :
« إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا »
واستزل وأزل كقولهم استجاب وأجاب ، واستخلف لأهله وأخلف ، فكما أن استزلهم من الزلة المعنى فيه كسبهم الشيطان الزلة ، كذلك قوله : فأزلهما الشيطان . والوجه الآخر أن يكون فأزلهما من زل عن المكان إذا عثر فلم يثبت عليه ، ويدل على هذا قوله عز وجل :
« فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ ،
كما أن خروجه عن الموضع الذي هو فيه انتقال عنه إلى غيره ، كذلك عثاره فيه وزلته » « 1 » .
فما الذي قاله ابن خالويه في الاحتجاج لاختلاف القراء في هذا الحرف ؟
كل ما كان منه أن قال : قوله تعالى : « فأزلهما يقرأ باثبات الألف والتخفيف ، وبطرحها والتشديد . فالحجة لمن أثبت الألف أن يجعله من الزوال والانتقال عن الجنة .
والحجة لمن طرحها أن يجعله من الزلل « 2 » . ثم مضى بعد ذلك إلى الاحتجاج لما اختلف فيه القراء بعد ذلك .
ولكننا إذا أردنا أن نضع أيدينا على القياس عند أبي على في احتجاجه لاختلاف القراء في أزلهما . « رأيناه يقابل مقايسا قوله تعالى : و
يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها
- أي أثبتا فثبتا فأزالهما الشيطان - يقابل ذلك بقوله تعالى :
هامش
( 1 ) الحجة نسخة مراد ملا ورقة 310 وما بعدها .
( 2 ) الحجة لابن خالويه ظهر ورقة 7 .