وهكذا يغفل الإشارة إلى قراءة ابن عامر جملة ، وفي قراءة تتفق مع مذهب النحاة الكوفيين « 1 » ويذهب في تجويز شركائهم برسم المصحف ، ثم يشير إلى رداءة هذه القراءة بهذه الإشارة التي يتبعها بالنهى عن القراءة بها ، والالتفات إليها ! !
وقال في قراءة يهدى من قوله تعالى :
« أَمَّنْ لا يَهِدِّي »
: قرأ بعضهم بإسكان الهاء والدال ، وهذه القراءة مروية إلا أن اللفظ بها ممتنع ، فلست أدرى كيف قرئ بها وهي شاذة ؟ ! وقد حكى سيبويه أن مثلها قد يتكلم به .
وأقول : « أما بعضهم الذي أشار إليه بأنه قرأ بها ، فهم أهل المدينة إلا ورشا « 2 » ، فكيف يشذذها مع أنها مروية ؟ ثم ما باله يعجب فلا يدرى ؟ !
والعجب منه هو : يردد دائما القراءة سنة متبعة أو نحوا من ذلك بما في معناه كما سبق ، ويتخذ ذلك سبيلا إلى التحذير من قراءة جازت في العربية ، ومذاهب البصرية ، ولم يرد بها أثر . فهل تراه يعد نحاة البصرة هم النحاة ، وقراءهم هم القراء ، ولا شئ غير هؤلاء وهؤلاء ؟ !
ذلك أثر من آثار بصيرته ، ومظهر من مظاهر عصبيته ، ومن هنا وقف من القراء الكوفيين موقف التجهم والتضعيف ، وهو معهم يشدد النكير على غير موقفه من القراء المدنيين ؛ فقد رأيناه من قبل يتعجب من قراءتهم ( لا يهدى ) بإسكان الهاء والدال على شذوذها في رأيه هو ، ويتلمس لهم وجها من كلام سيبويه ، ولا يزيد .
أما الكوفيون فإذا أورد قراءتهم يهدى بكسر الهاء والياء وهي قراءة لعاصم قال :
وهي رديئة لثقل الكسرة في الياء .
وتسأل نفسك ! أي القراءتين أثقل في النطق : القراءة المدنية وفيها التقاء الساكنين ؟
أم القراءة الكوفية ومبعث الثقل فيها الكسرة في الياء ؟ لا شك أن قراءة المدنيين أثقل وأصعب ، فكيف يرمى القراءة الكوفية - مع سهولتها موازنة بالمدنية - بالرداءة ؟ ! هي العصبية تعمى البصائر ، وتعصب الأنظار ! ! ( ألا قاتلها اللّه ) .
وقد دفعت بصيرته المتعصبة إلى أن يتجاهل قراءة كوفي مثل الكسائي - وربما جهلها - وذلك قوله : والعين بالعين . بعد أن وجه الرفع فيها قال : « ولا أعلم أحدا قرأ بها ! ! ولا يقرأن بها إلا أن تثبت بها رواية صحيحة » .
هامش
( 1 ) يجوز الكوفيون الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف والجار والمجرور في سعة الكلام .
( 2 ) انظر البحر المحيط : 5 / 156 .