ويظهر أن أبا عبيدة قد تناولته ألسنة كثيرة بعدم التوثيق « 1 » ، فربما كان الدافع للفراء ما في الرجل من شخصيته ، لا مذهبه في بصيرته .
وقد اتخذ موقف الفراء من رسم المصحف ، والاعتماد عليه في الاحتجاج مظاهر مختلفة ألخص معالمها الكبرى في النقاط الآتية :
( ا ) فهو حينا يعلل لرسم كتاب المصاحف « بسم اللّه الرحمن الرحيم » من غير ألف ، ورسمهم : فسبح باسم ربك العظيم بألف « 2 » .
( ب ) وقد تكون القراءة صحيحة خالفت رسم المصحف - المخالفة الجائزة على النحو الذي بينته في فصل سابق - فيحتج لها الفراء « 3 » .
( ج ) وقد يرتضى القراءة الشاذة التي تجوزها العربية وإن كانت مخالفة للرسم « 4 » .
( د ) وقد ينفى شهوته ( كذا ) قراءة صحيحة ؛ لأنها مخالفة للرسم « 5 » .
( ه ) ويحتج لرجوع الكسائي عن قراءة إلى أخرى بموافقتها قراءة العامة ، والكتاب « 6 » .
* * * وهو - كما ترى - اتجاه لا يخضع لنظام معين ، أو نظرة مطردة ، إذ هو حينا يرتضى ما يخالف الرسم ، وأحيانا يشير إلى موافقة الكتاب فيحتج برسمه .
على أن الاتجاه - في أغلبه - يدل على أنه معتد بالرسم إذا وجد له وجها من كلام العرب « 7 » وذلك يجعله بين أهل الأثر ، ويبعده عن أصحاب القياس والنظر .
* * * هذا والمترجمون للفراء يقولون : « أنه كان يتفلسف في تصانيفه » « 8 » ، ولعل صحبته لثمامة بن الأشرس أثرت في ذلك « 9 » ، وقد ألف الفراء كتاب « الحدود » ولا أستطيع أن أحكم على أسلوبه فيه لأنى لم أطلع عليه ، إلا أن اسمه يوحى بمنطق ،
هامش
( 1 ) طبقات انظر الزبيدي : 192 .
( 2 ) ص 2 .
( 3 ) معاني القرآن : 88 .
( 4 ) معاني القرآن : 96 .
( 5 ) معاني القرآن : 125 .
( 6 ) معاني القرآن : 202 .
( 7 ) الصاحبى : 11 .
( 8 ) بغية الوعاة : 411 .
( 9 ) نزهة الألباء : 68 .