فإذا اجتمع إلى ذلك أن له كتاب « اختلاف أهل الكوفة والبصرة والشام في المصاحف « 1 » فهمنا السر في الإشارة إلى قراءة عبد اللّه بن مسعود هذه الإشارة الظاهرة ، وأكثر هذه القراءات التي أشار إليها الفراء قراءات شاذة ، وقد احتج بها ، وعلى سبيل المثال لم ترد قراءة عبد اللّه : « إلا أن تخافوا ألا يقيما حدود اللّه » « 2 » بين القراءات العشر « 3 » . وكذلك لم ترد « وإن كان ذا عسرة » « 4 » . وهذه القراءة لعبد اللّه . كما له أيضا قراءة : « وأولوا العلم القائم بالقسط » « 5 » ، ولم ترد في العشر أيضا « 6 » .
* * * وهذه أمثلة توضح منهج الفراء في الاحتجاج بالقراءات الشاذة - وهو منهج سليم « 7 » - ثم هو يتفق مع منج الكوفيين في الاحتجاج بالمثال الواحد ، والبيت الذي لا يعرف قائله ، فإذا كان هذا شأنهم مع الشواهد التي قالها العرب فما بالك بقراءة منسوبة إلى قارئها ، مشهور بين الناس أمرها ، متصلة بالرسول في سندها ، موافقة للعربية على وجه من وجوهها ؟
ومن هنا أيضا رأيت الفراء يجوز القراءات التي تجيزها الصنعة الاعرابية ، واللغوية ، فتراه يقول - في كثرة ظاهرة - ولو قرأ قارئ بكذا - كان صوابا . .
كما ذكر في قوله تعالى :
« قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ »
« 8 » ، قرئت بالرفع وهو وجه الكلام على معنى : إحداهما تقاتل في سبيل اللّه « 9 » ( وأخرى كافرة ) على الاستئناف كما قال الشاعر :
فكنت كذى رجلين رجل صحيحة * ورجل رمى فيها الزمان فشلت
ولو خفضت لكان جيدا : ترده على الخفض الأول كأنك قلت : كذى رجلين :
كذى رجل صحيحة ورجل سليمة . وكذلك يجوز خفض الفئة والأخرى على أول الكلام .
هامش
( 1 ) معجم الأدباء : 20 / 13 .
( 2 ) سورة البقرة : 229 وانظر 145 معاني القرآن .
( 3 ) انظر النشر : 2 / 238 .
( 4 ) معاني القرآن 186 وانظر النشر : 2 / 236 .
( 5 ) معاني القرآن : 200 .
( 6 ) انظر النشر : 2 / 238 .
( 7 ) سأزيد ذلك بيانا في موضع آخر .
( 8 ) سورة آل عمران : 13 .
( 9 ) معاني القرآن ص 192 .