ومن التوافق الملحوظ أن ينفرد حفص بالنصب ، ويقرأ الباقون من العشرة بالرفع « 1 » . تماما كما في قوله تعالى :
قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ . . . »
.
( ج ) وأحيانا يجوز قراءة لم ترد عن واحد من القراء العشرة ، فقد جوز الرفع والنصب في « جواب » من قوله تعالى :
« فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا » *
؛ إذ يقول : في تأويل النصب - أن محمولة على كان كأنه قال : « فما كان جواب قومه إلا قول كذا وكذا » ، ثم قال : وإن شئت رفعت الجواب ، فكانت إن منصوبة « 2 » . وقد فهمت تجويزه الأمرين في مساواة من قوله مخيرا : « وإن شئت » ثم رجعت إلى كتاب النشر فلم أجد الرفع في القراءات العشر « 3 » . وهذا دليل عندي على أن أئمة القراء لا تعمل في شئ من حروف القرآن على الأفشى في اللغة ، والأقيس في العربية ؛ بل على الأثبت في الأثر ، والأصح في النقل والرواية « 4 » . ومن هذا القبيل - أي من تحكيم القياس ومجانبة العمل بالأثر - أن يقول سيبويه مثلا :
ولو قرئ بكذا كان جيدا ، كما ذكر في قوله تعالى :
« وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً »
« 5 » .
( د ) وأحيانا يجوّد قراءة مشهورة ، ويجوز وجها غير مقروء به كأن يقول في :
« وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ »
، النصب عربى كثير ، والرفع أجود « 6 » .
ومن التخالف الذي لم أستطع تفسيره ، أنه مع تحكيمه القياس ، ومجانبة العمل بالأثر في ظاهر أمره وتخريجه يقول : « القراءة لا تخالف لأنها سنة ! « 7 » » ولا زلت ألتمس تعليلا لهذين الموقفين المتناقضين ، أو أرجو توفيقا بينهما .
فهل كان سيبويه يتخير القراءات على مذاهب العربية ؟
هذا هو ما أميل إليه وأرجحه ، وليس سيبويه في ذلك نسج وحده ؛ بل إنّ أستاذه عيسى بن عمر له اختيار في القراءة على مذاهب العربية كذلك « 7 » .
( ه ) وهو يكتفى بالإشارة إلى أن الآية قرئت على وجه من وجوه الإعراب دون اهتمام - في الأعم الأغلب - بذكر القارئ مما يدل على أن المهم عنده أن يحتج للوجه الذي قرئت به الآية ، ولا يهمه أن يحتج للقارئ فيما ذهب إليه .
هامش
( 1 ) النشر ج 2 ص 390 .
( 2 ) ج 1 ص 476 .
( 3 ) ج 2 / 348 .
( 4 ) منجد المقرئين : 56 .
( 5 ) ج 1 ص 74 .
( 6 ) المصدر السابق : 42 ، 74 .
( 7 ) طبقات القراء لابن الجزري : ج 1 / 613 .