تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا ، وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا
! . . وعند هذا الحد من فضح حقيقة حالهم المنكرة ، بعد تصوير خطأ تصورهم في الابتلاء بالمنع والعطاء ، يجيء التهديد الرعيب بيوم الجزاء وحقيقته ، بعد الابتلاء ونتيجته في إيقاع قوي شديد :
كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ، وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا . وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ . يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ؟ يَقُولُ : يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ . وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ
. ودك الأرض : تحطيم معالمها وتسويتها ، وهو أحد الانقلابات الكونية التي تقع في يوم القيامة . فأما مجيء ربك والملائكة صفا صفا ، فهو أمر غيبي لا ندرك طبيعته ونحن في هذه الأرض ، ولكنا نحس وراءه التعبير بالجلال والهول ! كذلك المجيء بجهنم : نأخذ منه قربها منهم وقرب المعذبين منها وكفى . فأما عن حقيقة ما يقع وكيفيته فهي من غيب اللّه المكنون ليومه المعلوم . إنما يرتسم من وراء هذه الآيات ، ومن خلال موسيقاها الحادة التقسيم ، الشديدة الأسر ، مشهد ترجف له القلوب ، وتخشع له الأبصار . والأرض تدك دكا دكا ! والجبار المتكبر يتجلّى ويتولّى الحكم والفصل ، ويقف الملائكة صفا صفا . ثم يجاء بجهنم متأهبة هي الأخرى ! !
يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ
. . الإنسان الذي غفل عن حكمة الابتلاء بالمنع والعطاء ، الذي أكل التراث أكلا لما ، وأحب المال حبا جما ، والذي لم يكرم اليتيم ، ولم يحض على طعام المسكين ، والذي طغى وأفسد وتولى . . . يومئذ يتذكر . يتذكر الحق ويتعظ بما يرى ، ولكن قد فات الأوان
وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى
. . ولقد مضى عهد الذكرى ، فما عادت تجدي هنا في دار الجزاء أحدا ! وإن هي إلا الحسرة على فوات الفرصة في دار العمل في الحياة الدنيا ! .