تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
. . يرى ويحسب ويجازي ، وفق ميزان دقيق لا يخطئ ولا يظلم ولا يأخذ بظواهر الأمور لكن بحقائق الأشياء . فأما الإنسان فتخطئ موازينه ، وتضل تقديراته ، ولا يرى إلا الظواهر ، ما لم يتصل بميزان اللّه .
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ . وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ : رَبِّي أَهانَنِ
. . . فهذا هو تصور الإنسان لما يبتليه اللّه به من أحوال ، ومن بسط وقبض ، ومن توسعة وتقدير . . . يبتليه بالنعمة والإكرام ، بالمال أو المقام . فلا يدرك أنه الابتلاء تمهيدا للجزاء ، إنما يحسب هذا الرزق وهذه المكانة دليلا على استحقاقه عند اللّه للإكرام ، وعلامة على اصطفاء اللّه له واختياره ، فيعتبر البلاء جزاء والامتحان نتيجة ! ويقيس الكرامة عند اللّه بعرض هذه الحياة ! ويبتليه بالتضييق عليه في الرزق ، فيحسب الابتلاء جزاء كذلك ، ويحسب الاختبار عقوبة ، ويرى في ضيق الرزق مهانة عند اللّه ، فلو لم يرد مهانته ما ضيق عليه رزقه . . . وهو في كلتا الحالتين مخطئ في التصور ومخطئ في التقدير . فبسط الرزق أو قبضه ابتلاء من اللّه لعبده ، ليظهر منه الشكر على النعمة أو البطر ، ويظهر منه الصبر على المحنة أو الضجر ، والجزاء على ما يظهر منه بعد . وليس ما أعطي من عرض الدنيا أو منع هو الجزاء . وقيمة العبد عند اللّه لا تتعلق بما عنده من عرض الدنيا ، ورضى اللّه أو سخطه لا يستدل عليه بالمنح والمنع في هذه الأرض . فهو يعطي الصالح والطالح ، ويمنع الصالح والطالح . ولكن ما وراء هذا وذلك هو الذي عليه المعوّل ؛ إنه يعطي ليبتلي ويمنع ليبتلي . والمعوّل عليه هو نتيجة الابتلاء ! غير أن الإنسان - حين يخلو قلبه من الإيمان - لا يدرك حكمة المنع والعطاء ، ولا حقيقة القيم في ميزان اللّه . . فإذا عمر قلبه بالإيمان اتصل وعرف ما هنا لك . وخفت في ميزانه الأعراض الزهيدة ، وتيقظ لما وراء الابتلاء من الجزاء ، فعمل له في البسط والقبض سواء . واطمأن إلى قدر اللّه به في الحالين ، وعرف قدره في ميزان اللّه بغير هذه القيم الظاهرة الجوفاء ! .