إنه يجعل الطاغية أسير هواه ، لأنه لا يفيء إلى ميزان ثابت ، ولا يقف عند حد ظاهر ، فيفسد هو أول من يفسد ، ويتخذ له مكانا في الأرض غير مكان العبد المستخلف ، وكذلك قال فرعون
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
عندما أفسده طغيانه ، فتجاوز به مكان العبد المخلوق ، وتطاول به إلى الادعاء المقبوح ، وهو فساد أي فساد . ثم هو يجعل الجماهير أرقاء أذلاء ، مع السخط الدفين ، والحقد الكظيم ، فتتعطل فيهم مشاعر الكرامة الإنسانية ، وملكات الابتكار المتحررة التي لا تنمو في غير جو الحرية . والنفس التي تستذل تأسن وتتعفّن ، وتصبح مرتعا لديدان الشهوات الهابطة والغرائز المريضة . وميدانا للانحرافات مع انطماس البصيرة والإدراك . وفقدان الأريحية والهمة والتطلع والارتفاع ، وهو فساد أي فساد . . .
ثم هو يحطم الموازين والقيم والتصورات المستقيمة ، لأنها خطر على الطغاة والطغيان . فلا بد من تزييف للقيم ، وتزوير في الموازين ، وتحريف للتصورات كي تقبل صورة البغي البشعة ، وتراها مقبولة مستساغة . . وهو فساد أي فساد !
فلما أكثروا في الأرض الفساد ، كان العلاج هو تطهير وجه الأرض من الفساد :
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ . إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
! . . .
فربك راصد لهم ومسجل لأعمالهم ؛ فلما أن كثر الفساد وزاد صبّ عليهم سوط عذاب . وهو تعبير يوحي بلذع العذاب حين يذكر السوط ، وبفيضه وغمره حين يذكر الصب ، حيث يجتمع الألم اللاذع والغمرة الطاغية ، على الطغاة الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد !
ومن وراء المصارع كلها تفيض الطمأنينة على القلب المؤمن وهو يواجه الطغيان في أي زمان وأي مكان . ومن قوله تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
تفيض طمأنينة خاصة . فربك هناك راصد لا يفوته شيء ، مراقب لا يندّ عنه شيء .
فليطمئن بال المؤمن ، فإن ربه هناك ! . . بالمرصاد . . للطغيان والشر والفساد !