تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
والكلام وبحثت في العصر العباسي أثّرت في علم التفسير أثرا كبيرا ، وبخاصة إذا ذكرنا أن القرآن الكريم هو عماد الأمة والمجتمع والدولة . . . وأن عقيدة المسلمين كانت نابعة منه ، وراجعة إليه ، فإذا كانت حركة البدء والانطلاق والتكوين منه وفي رحابه ، فإن أي أمر طارئ كذلك لا بد من أن يحكم هو فيه ، لأن هذا الأمر الطارئ - كما حصل أيام الترجمة - لا يكون مقبولا ، ولن تكتب له الحياة إلا بمقدار موافقته . فكتب النحاة في « إعراب القرآن » والفقهاء في « تفسير آيات الأحكام » ودخل المتكلمون - وعلى رأسهم المعتزلة - باب « التأويل » لطائفة معينة من الآيات ، واصطدموا مع المحدّثين ، وأسسوا ما دعي بالمنهج العقلي في تفسير القرآن ، الذي يدخل إلى تفسير النص القرآني بمقدمات عقلية ومقررات فكرية مسبقة ! كما حاول الصوفية أن يجدوا مواجيدهم ومذاويقهم في ظلال النصوص القرآنية بإشارات بعيدة أو قريبة فولد « التفسير الإشاري » . - وقد تعرضنا لنقد هذه المناهج في مقدمتنا لرسالة ابن تيمية في أصول التفسير ، وفي بعض كتبنا الأخرى - وبحسبنا هنا بمناسبة هذه الإشارة إلى التفسير الإشاري أن نفرّق فيه بين صنفين : صنف اخترعته الزنادقة ليعطلوا أحكام الشريعة ، أو ليقلبوا حكمة القرآن إلى معان سخيفة - كما يقول محمد الخضر حسين - رحمه اللّه - وهذا باطل ببداهة العقول ، وهذا الصنف يعرف عادة بالتفسير الباطني ، أو تفسير أهل الباطن . وصنف ينسب إلى الصوفية ، وهو الذي يدعى عادة بالتفسير الإشاري . والفرق بين هذا التفسير وتفسير الباطنية : « أن الباطنية يفسّرون الآيات بتلك المعاني المنبوذة على أنها هي المقصود من القرآن ، أما أصحاب الإشارة فيسلّمون أن المراد من القرآن تلك المعاني التي يذكرها أهل العلم بالتفسير ، غير أنهم يذكرون عند تفسير الآية معاني تخطر أذهانهم عند التلاوة وإن لم تدل عليها الآية بطريق من طرق الدلالات المعروفة في الاستعمال العربي » « 1 » .
هامش
( 1 ) من بلاغة القرآن للشيخ محمد الخضر حسين ص 24 .