يقول الأستاذ سيد - رحمه اللّه - : « خذ سورة من السور القصيرة التي ربما يحسب البعض أنها شبيهة بسجع الكهان . . . خذ سورة الفلق . فما الجو المراد إطلاقه فيها ؟ إنه جو التعويذة ، بما فيه من خفاء وهيمنة وغموض وإبهام ، فاسمع :
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ( 1 ) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ ( 2 ) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ ( 3 ) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ ( 4 ) وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ
( 5 ) .
فما الفلق الذي يستعيذ بربه ؟ نختار من معانيه الكثيرة معنى الفجر . . . لأنه أنسب في الاستعاذة به من ظلام سيأتي .
يعوذ برب الفجر « من شر ما خلق » هكذا بالتنكير ، وب « ما » الموصولة الشاملة . وفي هذا التنكير يتحقق الغموض والظلام المعنوي في العموم ، و « من شر غاسق إذا وقب » : الليل حين يدخل ظلامه إلى كل شيء ويمسي مرهوبا مخوفا .
« ومن شر النفاثات في العقد » وجو النفث في العقد من الساحرات والكواهن كله رهبة وخفاء وظلام ، بل هنّ لا ينفثن غالبا إلا في الظلام . « ومن شر حاسد إذا حسد » والحسد انفعال باطني مطمور في ظلام النفس ، غامض كذلك مرهوب .
الجو كله ظلام ورهبة ، وخفاء وغموض وهو يستعيذ من هذا الظلام باللّه ، واللّه رب كل شيء ، فلم خصصه هنا « برب الفلق » ؟ لينسجم مع جو الصورة كلها ، ويشترك فيه . ولقد كان من المتبادر أن يعوذ من الظلام بربّ النور ، ولكن الذهن هنا ليس المحكم ، إنما المحكّم هو حاسة التصوير الدقيقة ، فالنور يكشف الغموض المرهوب ، ولا يتسق مع جو الغسق والنفث في العقد ، ولا مع جو الحسد ، و « الفلق » يؤدي معنى النور من الوجهة الذهنية ، ثم يتسق مع الجو العام من الوجهة التصويرية ، وهو مرحلة قبل سطوع النور ، تجمع بين النور والظلمة ، ولها جوها الغامض المسحور .
ثم ما هي أجزاء الصورة هنا أو محتويات المشهد ؟ .