تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
قال الأستاذ محمود شاكر : « ولا مناص لمتكلم في إعجاز القرآن من أن يتبين حقيقتين عظيمتين قبل النظر في هذه المسألة ، وأن يفصل بينهما فصلا ظاهرا لا يلتبس ، وأن يميز أوضح التمييز بين الوجوه المشتركة التي تكون بينهما : أولاهما : أن ( إعجاز القرآن ) كما يدل عليه لفظه وتاريخه هو دليل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم على صدق نبوته ، وعلى أنه رسول من اللّه يوحى إليه هذا القرآن . وأن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان يعرف « إعجاز القرآن » من الوجه الذي عرفه منه سائر من آمن به من قومه من العرب ، وأن التحدّي الذي تضمنته آيات التحدّي من نحو قوله تعالى :
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 13 ) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
( 14 ) [ سورة هود ، الآيات 13 - 14 ] . وقوله :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
( 88 ) [ سورة الإسراء ، الآية 88 ] . إنما هو تحد بلفظ القرآن ونظمه وبيانه لا بشيء خارج عن ذلك ، فما هو بتحد بالإخبار بالغيب المكنون ، ولا بالغيب الذي يأتي تصديقه بعد دهر من تنزيله ، ولا بعلم ما لا يدركه علم المخاطبين به من العرب ، ولا بشيء من المعاني مما لا يتصل بالنظم والبيان . ثانيتهما : أن إثبات دليل النبوة ، وتصديق دليل الوحي ، وأن القرآن تنزيل من عند اللّه كما نزلت التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من كتب اللّه سبحانه ، لا يكون منها شيء يدل على أن القرآن معجز ، ولا أظن أن قائلا يستطيع أن يقول : إن التوراة والإنجيل والزبور كتب معجزة ، بالمعنى المعروف في شأن إعجاز القرآن من أجل أنها كتب منزلة من عند اللّه . ومن البيّن أن العرب قد طولبوا بأن يعرفوا دليل نبوّة رسول اللّه ، ودليل صدق الوحي الذي يأتيه ، بمجرد سماع القرآن نفسه ، لا بما يجادلهم به حتى يلزمهم الحجة في توحيد اللّه ، أو تصديق نبوّته ، ولا بمعجزة