بالمصاحف . قال الزهري : فبلغني أن ذلك كره من مقالة ابن مسعود : رجال من أفاضل أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » « 1 » .
قلت : ولعبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - أن يغضب لعدم مشاركته ، أو لعدم استدعائه للمشاركة في هذا العمل التاريخي المشرّف ، ولكن ما كان لغضبه أن يصل إلى حد التعريض بزيد بن ثابت الذي كان كاتب الوحي لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وبأمر لا يجمل التعريض بمثله ؛ علما بأن بعض العلماء يقول : إن زيدا كان أحفظ للقرآن من عبد اللّه ؛ إذ وعاه كله ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حيّ - ووعاه معه على هذا النحو :
أبيّ بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وأبو الدرداء ، وحفصة ، وعائشة . . . وآخرون - في حين أن ابن مسعود حفظ منه في حياة رسول اللّه نيّفا وسبعين سورة ، ثم تعلّم الباقي بعد وفاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم « 2 » .
يضاف إلى ذلك أن زيدا - رضي اللّه عنه - لم يشتهر عنه اختيار قراءة بعينها - أو الانحياز لها - كما فعل ابن مسعود ، علما بأن الأمر الآن أو في هذه المرحلة : أمر تقعيد الأحرف ، وحسم الاختلاف في القراءة . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن عمل اللجنة نسخ أو استنساخ ، وليست جمعا جديدا للقرآن ، كما قد توهم بعض الروايات الضعيفة ! « 3 » ومعنى ذلك أن الدواعي لتكليف ابن مسعود في هذا العمل ، أو لانتظار حضوره من الكوفة إلى المدينة . . لم تكن قائمة ! قال الحافظ ابن حجر : « والعذر لعثمان في ذلك أنه فعله بالمدينة ، وعبد اللّه بن مسعود بالكوفة . ولم يؤخر ما عزم عليه من ذلك إلى أن يرسل إليه ويحضر . وأيضا فإن عثمان إنما أراد نسخ الصحف التي كانت جمعت في عهد أبي بكر . . وكان الذي
هامش
( 1 ) جامع الأصول في أحاديث الرسول ، لابن الأثير الجزري 2 / 506 - 507 والمصاحف ص 14 . ومعنى : غلّوها : اكتموها واخفوها ، وأصله من الغلّ بمعنى الخيانة .
( 2 ) انظر تفصيلا لهذه النقطة التي ذكرها ابن الأنباري ، في تفسير القرطبي 1 / 53 .
( 3 ) راجع المرشد الوجيز لأبي شامة ، ص 65 فما بعدها .