فالطرح القرآني للموضوع الأخلاقي محفوف بالمشاهد والمظاهر التي تكرس الجوهر عمليا ، وذلك من خلال الاستفاضة البيانية في أهميته وعلاقته بالسلوك والعقل سلبا كان أم ايجابا . وهذا يؤكد الاتجاه الجدلي للأخلاق في نظر القرآن الكريم .
( 2 ) وفي الحقيقة أن طرح المفردة الأخلاقية يمكن أن يتم على ثلاثة مستويات :
المستوى الأوّل : المفردة الأخلاقية في إطارها ومحيطها بالذات : فنحن يمكن أن ندرس ( الشكر ) في نطاق معناه ومصداقه وآثاره ودوره في بناء الحياة ، وسعادة الانسان وترشيد المجتمع والتاريخ .
المستوى الثاني : المفردة الأخلاقية من خلال علاقتها الحية بنظائرها من المفردات الأخلاقية الأخرى ، فالصدق ( مثلا ) لا يعدم علاقة ما بالأمانة أو الشجاعة .
المستوى الثالث : المفردة الأخلاقية من خلال علاقتها بما يضادها ويقابلها من المفردات الأخرى ، أي ندرس الشكر من خلال ضده الذي هو الكفر .
فالمستوى الأول مع أهميته وخطورته المعرفية ، ومع ما ينطوي عليه من حركة ، إلا أنه يتسم بالعطاء ذي الاتجاه الواحد ، حركة ذات منحى متوفر على نفسه .
المستوى الثاني يحرر المفردة الأخلاقية من أغلال الانكفاء والفردانية ، يعطي للمفردة الأخلاقية حيوية أفقية . . . يكشف عن مداها الأوسع . . كما أنه يؤكد وحدة الصيرورة الأخلاقية في حياة الانسان وسلوكه .
أما المستوى الثالث فيفصل المفردة الأخلاقية في سياق من التاريخ ، يجعلها تدخل عالم التاريخ ، فالشكر - مثلا - ليس معنى ذا حدود وحسب ، ولا هو
مداخل جديدة للتفسير — صفحة 92
مساهمون: غالب حسن
ص٩٢