تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات في علوم القرآن — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ، ولا يعرفون من ذلك إلا ما يعرفه العامة من أهل الكتاب ، ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية ، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا علاقة له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها ، مثل أخبار بدء الخليقة ، وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك . وهؤلاء مثل كعب الأحبار ، ووهب بن منبه ، وعبد اللّه بن سلام وأمثالهم ، فامتلأت التفاسير من المنقولات عنهم ، وفي أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم ، وليست مما يرجع إلى الأحكام فيتحرّى فيها الصحة التي يجب بها العمل ، وتساهل المفسرون في مثل ذلك ، وملئوا الكتب بهذه المنقولات ، وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية ، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك ، إلا أنهم بعد صيتهم ، وعظمت أقدارهم ، لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة ، فتلقّيت بالقبول من يومئذ . . . » « 1 » . ويبدو أن تعليل ابن خلدون سبب ضعف تلك الروايات بأنها أخذت عن أهل الكتاب الذين كانوا يسكنون البادية لا ينطبق على جميع ما روي من تلك المنقولات ، فقد جاء في الحديث السابق الذي رواه أبو هريرة ، رضي اللّه عنه ، أن أهل الكتاب كانوا يقرءون التوراة بالعبرانية ويترجمونها إلى العربية لأهل الإسلام ، وهؤلاء لا يمكن وصفهم بأنهم من أهل البادية الذين لا علم عندهم ، ولكن هذا النقل المباشر عن التوراة لا يمنع من وصف تلك الروايات بالضعف ، أو عدم القطع بصحتها ، فالنبي صلى اللّه عليه وسلم قال : ( لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ) ، لأن تلك الروايات قد تكون صحيحة ، وقد تكون مكذوبة ، بسبب ما تعرضت له كتبهم من التحريف والزيادة . إن أكثر ما يروى في كتب التفسير من الإسرائيليات يرجع إلى أربعة أشخاص هم « 2 » :
هامش
( 1 ) المقدمة ص 439 - 440 . ( 2 ) ينظر : محمد حسين الذهبي : التفسير والمفسرون 1 / 183 .