ثم صنّف بعد ذلك قوم برعوا في علوم ، فكان كل منهم يقتصر في تفسيره على الفن الذي يغلب عليه :
فالنحوي تراه ليس له همّ إلا الإعراب ، وتكثير الأوجه المحتملة فيه ، ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته ، كالزجّاج ، والواحدي في « البسيط » ، وأبي حيّان في « البحر » و « النهر » .
والأخباري ليس له شغل إلا القصص واستيفاءها والإخبار عمّن سلف ، سواء كانت صحيحة أو باطلة ، كالثعلبي .
والفقيه يكاد يسرد فيه الفقه من باب الطهارة إلى أمهات الأولاد ، وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التي لا تعلق لها بالآية ، والجواب عن أدلة المخالفين ، كالقرطبي .
وصاحب العلوم العقلية ، خصوصا فخر الدين ، قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وشبهها ، وخرج من شيء إلى شيء ، حتى يقضي الناظر فيه العجب من عدم مطابقة المورد للآية ، قال أبو حيان في « البحر » « 1 » : جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير ، ولذلك قال بعض العلماء : فيه كل شيء إلا التفسير .
والمبتدع ليس له قصد إلا تحريف الآيات وتسويتها على مذهبه الفاسد ، بحيث إنه متى لاح له شاردة من بعيد اقتنصها ، أو وجد موضعا فيه أدنى مجال سارع إليه . . . » « 2 » .
هامش
( 1 ) البحر المحيط 1 / 341 .
( 2 ) الإتقان 4 / 212 - 213 .