4 - الحكمة الرابعة : مسايرة الحوادث والتدرج في التشريع .
فما كان الناس ليسلس قيادهم طفرة للدين الجديد لولا أن القرآن عالجهم بحكمة ، وأعطاهم من دوائه الناجع جرعات يستطبون بها من الفساد والرذيلة ، وكلما حدثت حادثة بينهم نزل الحكم فيها يجلي لهم صبحها ويرشدهم إلى الهدى ، ويضع لهم أصول التشريع حسب المقتضيات أصلا بعد آخر فكان هذا طبا لقلوبهم .
لقد كان القرآن الكريم بادئ ذي بدء يتناول أصول الايمان باللّه تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب وجزاء وجنة ونار ، ويقيم على ذلك الحجج والبراهين حتى يستأصل من نفوس المشركين العقائد الوثنية ويغرس فيها عقيدة الإسلام .
وكان يأمر بمحاسن الأخلاق التي تزكو بها النفس ويستقيم عوجها ، وينهى عن الفحشاء والمنكر ليقتلع جذور الفساد والشر . ويبين قواعد الحلال والحرام التي يقوم عليها صرح الدين ، وترسو دعائمه في المطاعم والمشارب والأموال والأعراض والدماء .
ثم تدرج التشريع بالأمة في علاج ما تأصل في النفوس من أمراض اجتماعية .
بعد أن شرع لهم من فرائض الدين وأركان الإسلام ما يجعل قلوبهم عامرة بالإيمان ، خالصة للّه ، تعبده وحده لا شريك له .
كما كان القرآن يتنزل وفق الحوادث التي تمر بالمسلمين في جهادهم الطويل لإعلاء كلمة اللّه .
ولهذا كله أدلته من نصوص القرآن الكريم إذا تتبعنا مكيه ومدنيه وقواعد تشريعه .
ففي مكة شرعت الصلاة ، وشرع الأصل العام للزكاة مقارنا بالربا
( فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ
38 ، 39 - الروم ) .