وهكذا كان التدرج في تربية الأمة وفق ما يمر بها من أحداث ، فقد استشار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صحابته في أسرى بدر ، فقال عمر : اضرب أعناقهم ، وقال أبو بكر : نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء ، وأخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم برأي أبي بكر ، فنزل قوله تعالى :
( ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ، لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
67 ، 68 - الأنفال ) « 1 » .
وأعجب المسلمون بكثرتهم يوم حنين حتى قال رجل : لن نغلب من قلة ، فتلقوا درسا قاسيا في ذلك ، ونزل قوله تعالى :
( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ . ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
25 - 27 - التوبة ) « 2 » .
ولما توفي عبد اللّه بن أبي - رأس المنافقين - « دعي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للصلاة عليه ، فقام عليه ، فلما وقف قال عمر : أعلى عدو اللّه عبد اللّه بن أبي القائل كذا وكذا ، والقائل كذا وكذا ؟ يعدد أيامه . ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يبتسم ، ثم قال له إني قد خيرت ، قد قيل لي :
( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ
80 - التوبة ) فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها ، ثم صلى عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ومشى معه حتى قام على قبره حتى فرغ منه ، قال عمر :
فعجبت لي ولجرأتي على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، واللّه ورسوله أعلم ، فو اللّه ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان :
( وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ . . .
- 84 ، 85 - التوبة )
هامش
( 1 ) من حديث أخرجه أحمد عن أنس .
( 2 ) أخرجه البيهقي في الدلائل