ينزل جملة ويقال لهم : جيئوا بمثله ، ولهذا جاءت الآية عقب اعتراضهم
( لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً )
أي لا يأتونك بصفة عجيبة يطلبونها كنزول القرآن جملة إلا أعطيناك من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا وبما هو أبين معنى في إعجازهم ، وذلك بنزوله مفرقا ، ويشير إلى هذه الحكمة ما جاء ببعض الروايات في حديث ابن عباس عن نزول القرآن « فكان المشركون إذا أحدثوا شيئا أحدث اللّه لهم جوابا » « 1 » .
3 - الحكمة الثالثة : تيسير حفظه وفهمه :
لقد نزل القرآن الكريم على أمة أمية لا تعرف القراءة والكتابة ، سجلّها ذاكرة حافظة ، ليس لها دراية بالكتابة والتدوين حتى تكتب وتدون ، ثم تحفظ وتفهم .
( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
- 2 - الجمعة )
( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ
157 - الأعراف ) فما كان للأمة الأمية أن تحفظ القرآن كله بيسر لو نزل جملة واحدة ، وأن تفهم معانيه وتتدبر آياته ، فكان نزوله مفرقا خير عون لها على حفظه في صدورها وفهم آياته ، كلما نزلت الآية أو الآيات حفظها الصحابة ، وتدبروا معانيها ، ووقفوا عند أحكامها ، واستمر هذا منهجا للتعليم في حياة التابعين ، عن أبي نضرة قال : « كان أبو سعيد الخدري يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة ، وخمس آيات بالعشي ، ويخبر أن جبريل نزل بالقرآن خمس آيات خمس آيات » « 2 » وعن خالد بن دينار قال : « قال لنا أبو العالية : تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يأخذه من جبريل خمسا خمسا » « 3 » وعن عمر قال : « تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي صلى اللّه عليه وسلم خمسا خمسا » « 4 » .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس .
( 2 ) أخرجه ابن عساكر .
( 3 ) أخرجه البيهقي .
( 4 ) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان .