فالراجح أن القرآن الكريم له تنزلان ! الأول : نزوله جملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزة من السماء الدنيا .
والثاني : نزوله من السماء الدنيا إلى الأرض مفرقا في ثلاث وعشرين سنة .
وقد نقل القرطبي عن مقاتل بن حيان حكاية الإجماع على نزول القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا . ونفى ابن عباس التعارض بين الآيات الثلاث في نزول القرآن والواقع العملي في حياة الرسول صلى اللّه عليه وسلم بنزول القرآن في ثلاث وعشرين سنة بغير شهر رمضان : عن ابن عباس : « أنه سأله عطية بن الأسود فقال : أوقع في قلبي الشك قوله تعالى :
( شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ )
وقوله :
( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ )
وهذا أنزل في شوال ، وفي ذي القعدة ، وفي ذي الحجة ، وفي المحرم وصفر وشهر ربيع ، فقال ابن عباس : إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة ثم أنزل على مواقع النجوم « 1 » رسلا « 2 » في الشهور والأيام » « 3 » .
وأشار بعض العلماء إلى حكمة ذلك في تعظيم شأن القرآن ، وتشريف المنزل عليه ، قال السيوطي : « قيل السر في إنزاله جملة إلى السماء تفخيم أمره وأمر من نزل عليه ، وذلك بإعلام سكان السماوات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم قد قربناه إليهم لينزله عليهم . ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم منجما بحسب الوقائع لهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله ، ولكن اللّه باين بينه وبينها ، فجعل له الأمرين : إنزاله جملة ، ثم إنزاله مفرقا ، تشريفا للمنزل عليه » وقال السخاوي في جمال القراء : « في نزوله إلى السماء جملة تكريم بني آدم وتعظيم شأنهم عند الملائكة وتعريفهم عناية اللّه بهم ، ورحمته لهم ، ولهذا المعنى أمر سبعين ألفا من الملائكة أن تشيع
هامش
( 1 ) على مواقع النجوم : أي على مثل مساقطها في نزوله مفرقا يتلو بعضه بعضا .
( 2 ) رسلا : أي على تؤدة ورفق .
( 3 ) أخرجه ابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات .