تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في التفسير الموضوعي — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
في دنياه ، وفي توجيهات المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ( عجبت للمؤمن إن اللّه لم يقض قضاء إلّا كان خيرا له ) « 1 » . ولا يعترض معترض : إن الغلام لا يطلق إلّا على من كان دون سن البلوغ ، فكيف يحكم بكفره ؟ وقد ذهب جمهور أهل السنة والجماعة إلى أن الأطفال دون البلوغ ، لا يوصفون بالكفر والإيمان حقيقة ، وأنهم إذا ماتوا دون البلوغ كانوا من أهل الجنة ، على خلاف في التفاصيل الفرعية بينهم ؟ ! . أقول إن قول أهل السنة والجماعة تظاهره النصوص الكثيرة ، وهو حكم عام وقاعدة أساسية ، ولكن ما استثناه الدليل من القاعدة العامة يؤخذ به أيضا ، وقد ورد الدليل الصحيح أن الغلام قد طبع يوم طبع كافرا ، ولما أوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلّا من قد آمن ، وأن كل مولود بعد ذلك ، أو كان موجودا ولكنه لم يبلغ الحلم هو كافر ، عمم الدعاء عليهم ، وحكم بكفرهم جميعا
وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً
[ نوح : 26 - 27 ] . إنّ النص يقطع دابر الاجتهاد والاختلاف ، فلا اجتهاد في مورد النص . إذن فوجه المصلحة في الحادثة واضحة ، وكان هذا القتل للغلام أكبر تكريم للأبوين الصالحين ، وكان في نفس الوقت رحمة بهما وشفقة على حالهما ، لأنهما لو اطلعا على حقيقة حال الغلام ، فلربما كلفا بقتله بأيديهما ، وفي ذلك من الإصر والشدة ما فيه .
وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
. لقد كان الجدار لغلامين صغيرين فقدا حنان الأب ورعايته منذ الصغر ، وكانا وديعتين لأب صالح استودعهما اللّه سبحانه وتعالى الذي لا تضيع ودائعه ، وكان تحت الجدار كنز لهما ، وكان الجدار آئلا للسقوط ، ولو ترك يسقط وحال الغلامين
هامش
( 1 ) انظر مسند الإمام أحمد 3 / 117 .