سيحدث له ذكرا لهذه التصرفات ، بدأ بوفاء وعده ، وذكر الأسباب التي دفعته إليها :
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً
.
إنّ الأمر في غاية الوضوح عند المطلع على الأسباب الحقيقية الخفية .
إنّ هذا التصرف - الذي كان ظاهره إلحاق الضرر بأهل السفينة - كان في الحقيقة لصالحهم ، لقد كانت سفينتهم معرّضة للحجز والغصب ، ولو تركت سليمة لخسروها تماما وفاتتهم بالكلية ، فإلحاق خرق بها وهو ضرر محتمل في سبيل دفع ضرر أكبر شيء تقول به بدهيات العقول ، وتستسيغه جميع النفوس بل يكون هذا التصرف من أعظم الإحسان إلى أصحاب السفينة ، مقابل إحسانهم بحملنا من غير أجر .
ولم ينتظر الخضر من موسى جوابا وإقرارا على ما يقول ، فإنّ الأمر من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى تردد أو جدال .
وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً ، فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً
.
« لقد كان الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا » « 1 » ، وكان الأبوان المؤمنان الصالحان متعلقين بهذا الغلام تعلقا شديدا ، إنّها عاطفة الأبوة ، وحقيقة حال الغلام غير ظاهرة لهما ، فلو استمر الغلام بينهما على قيد الحياة لأوردهما المهالك ، فلا يملكان رده عن غيّه وكفره ولا يتحكمان في قلبيهما لهجره ومقاطعته .
إنّ حزن ساعات وأيام خير لهما من نار جهنم ، والعوض الذي وعدا به كفيل أن يستدل الستار على ذكرى هذا الغلام التعيس الشقي ،
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
[ البقرة : 216 ] .
ومن ينظر بنور اللّه وببصيرة المؤمن يتلمس جوانب الخيرية في كل ما يصيبه
هامش
( 1 ) انظر صحيح مسلم كتاب الفضائل 7 / 107 .