ثانيها - صدمة المفاجأة وهول الحادث :
كثيرا ما تكون الآراء والمواقف النظرية بمنأى عن التطبيق العملي ، فكم من طالب علم أخذ دروسا في علم البيان ومقومات الخطابة وآدابها ، فلمّا تولى إلقاء خطبة في محفل أو على منبر خانته معلوماته وتطايرت الأفكار من ذهنه ، وارتجفت منه الأقدام وتلعثمت الشفاه فجاء بها مفككة العبارات ركيكة الجمل . . .
وكم من باحث تلقى مبادئ الكتابة والتأليف وطريقة جمع المادة العلمية وترتيبها والتوثيق من المراجع العلمية وتخريج الأحاديث النبويّة من مظانها ، بل قد ينتقد الآخرين لعدم التزامهم بالمنهج العلمي في ذلك ، فلمّا كلف بكتابة مقالة أو بحث انهارت الأسس التي كان يبني عليها آراءه ونقده ، ويشهد ميلاد بحث لا يطلق عليه اسم التأليف إلّا تجوزا .
وهكذا في الحياة العملية ، فالتاجر الذي يأخذ معلوماته وخبرته من كتب علم التجارة يصطدم بعقبات قد تؤدي بثروته عند النزول إلى الأسواق .
والجندي الذي يأخذ ثقافته العسكرية عن السلاح واستخدامه في الكلية النظرية قد يدفع حياته أو حياة زملائه ثمنا للتجربة الأولى على السلاح .
ومن هذا القبيل ما جرى لموسى عليه السلام ، فقد قطع على نفسه العهد بأن لا يسأل - وبالأولى أن لا يعترض - حتى يكون الرجل الصالح هو البادئ بالشرح والبيان ولكنه عندما خرج إلى التجربة العملية ، ورأى أمام عينه هذا التخريب والإفساد - حسب الظاهر - نسي وعده واستنكر .
يقول سيد قطب - رحمه اللّه - : ( لقد نسي موسى ما قاله هو وما قاله صاحبه أمام هذا التصرف العجيب الذي لا مبرر له في نظر المنطق العقلي ، والإنسان قد يتصور المعنى الكلي المجرد ، ولكنه عندما يصطدم بالتطبيق العملي لهذا المعنى ، والنموذج الواقعي منه يستشعر له وقعا غير التصور المجرد ، وها هو ذا موسى الذي نبّه من قبل أنه لا يستطيع صبرا على ما لم يحط به خبرا ، فاعتزم الصبر واستعان بالمشيئة وبذل الوعد وقبل الشرط ، ها هو ذا يصطدم بالتجربة العملية لتصرفات هذا