تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في التفسير الموضوعي — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
فيه ثلاثة جوانب : أولها : إثبات بشرية هؤلاء الأنبياء وأنهم وإن بلغوا قمة الكمالات البشرية فلا تزول عنهم صبغة البشر المخلوق الذي تتنازعه الطاقات والقوى المودعة فيه ، فإن صلتهم بالملإ الأعلى ، وسعيهم الحثيث لتطبيق ما يوحى إليهم والمسارعة إلى مرضاة اللّه سبحانه وتعالى يجعل منهم قدوة لأتباعهم في الإيمان والعمل الصالح ، إلا أن دواعي الحاجة الإنسانية من طعام وشراب وسير في الأسواق للكسب والمعاش ، وعدم الاطلاع على الغيب ومستقبل الأيام وما يعتورهم من مرض ونسيان وضعف في القوى الجسمية كل ذلك يؤكد بشريتهم فلا يستطيعون النجاة منها ، وإلى هذا الجانب أشار القرآن الكريم في دحض شبهة من زعم أن عيسى وأمه إلهين من دون اللّه
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ . . .
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
[ المائدة : 72 - 75 ] . فبلوغ الأنبياء عليهم صلوات اللّه وسلامه الدرجات العليا من القربى والطاعة لا تخرجهم عن طبيعة البشر ولا يجوز اتخاذهم شركاء مع اللّه سبحانه وتعالى . وقد ضلت الأمم السابقة في هذا الأمر فاختلطت عليهم المقاييس ، فبلغ من تقديسهم لأنبيائهم وصالحيهم أن عبدوهم من دون اللّه ، كما فعلت النصارى فضلوا وأضلوا . وأبرزت بعض الأمم جانب البشرية فيهم وضخمته ونفت عنهم المزايا التي يتميزون بها عن غيرهم ، فنسبت إليهم كل نقيصة ظلما وزورا فضلوا وأضلّوا ، كما فعل اليهود في سير أنبيائهم . والمنهج العدل أن يعتقد في اصطفائهم من البشر لحمل رسالة ربهم وتبليغها إلى الناس على خير وجه ، وصلتهم بالملإ الأعلى وتلقيهم عن طريق الوحي إليهم . وهي مكانة لا تدانيها مكانة غيرهم من البشر . إلا أنهم يبقون من البشر
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ
فوجود النسيان والسهو من بعض الأنبياء تأكيد لهذا الجانب ، من غير أن يؤثر على مكانتهم الرفيعة عند ربهم ومولاهم جل جلاله .
مباحث في التفسير الموضوعي — صفحة 263 | مصطفى مسلم