تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في التفسير الموضوعي — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
« ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء » « 1 » . أمثال هؤلاء عرفوا قيمة الأعراض الدنيوية فلم تلههم عن طاعة اللّه وعبادته بل جعلوها وسائل تقربهم إلى اللّه سبحانه وتعالى . ثم يلتفت صاحبه إلى الجنة التي كانت سبب غروره وبطره ، وتكبره على عباد اللّه وكسر قلوبهم ، فعسى اللّه أن يرسل عليها إعصارا فيه نار فتحرقها وتأتي على الأخضر واليابس فيها فتصبح خرابا تزلق فيه الأقدام ،
أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً
. وأحد السببين كاف للقضاء عليها ، فإذا اجتمع السببان فاتت المنفعة منها تماما . وكانت الاستجابة لدعوة العبد الصالح فورية فلم يكد ينتهي من توجهه إلى ربه ويدعو بتفويت ما كان السبب في أشر صاحبه « 2 » ، حتى كان الدمار والخراب يحل بالجنتين ، بل تعداهما إلى الأموال الأخرى
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ
. فصار يتجول في أرجاء الجنتين وهو
يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً
. إنها ساعة الحسرة والندم بعد فوات الأوان . لقد ذهب كل شيء في طرفة عين ، أين المال الذي كان يملأ نفسه كبرا وعجبا وأين الجنان التي كانت تملأ نفسه نشوة وبطرا ، بل أين الرجال والنفر الذين كان يهيؤهم للملمات والشدائد ، لم يقدم أحدهم له عونا ونصرا ، لم يستطع أحدهم أن يدفع عنه الكارثة الماحقة ، وأنّى لمخلوق أن يقف أمام قدر اللّه سبحانه وتعالى الذي يقول للشيء كن فيكون . أما كان يسع هذا الإنسان الضعيف أن يلزم حدوده ، فيستمتع بما وهبه اللّه عز وجل ويحمد الواهب على ما وهب ويشكره على ما سخر له فيكون في منأى من غضب الجبار وانتقامه ، ألا يعلم الإنسان أن للّه جنود السماوات والأرض ، وأنه
هامش
( 1 ) انظر : صحيح مسلم كتاب المساجد : 2 / 97 . ( 2 ) لم يرد للنفر ذكر ، فلعل الصاحب الصالح لم يدع على الرجال والأتباع والذرية فلعله يخرج من بينهم من يوحّد اللّه سبحانه وتعالى ، وهو اللائق بحال الكمل من الصالحين . كما أن تعلق أهل المتع والأهواء بالمال أكثر فتفويته أشد على نفوسهم من تفويت الأهل والرجال .