هذه المناسبات بين المقاطع وبين الافتتاحية
أما المناسبات بين المقطعين نفسيهما فمما يرد على الذهن بشأنها - واللّه أعلم - .
1 - لما كان تعلق المقطع الأول بقصة أصحاب الكهف ، وهو البند الأول من السؤال الأول الذي وجهته قريش - بتلقين من اليهود - إلى رسول اللّه وقد جاء الجواب عليه بالتفصيل ، ولم تبق شبهة في ذلك ، فمما يرد على الذهن - وقد قالوا لقد جئنا بالأمر الفصل فيما بينكم وبين محمد . فاستقرت النتيجة لصالح محمد صلى اللّه عليه وسلم - أن يفكروا في الإيمان بمحمد . ولكن واقعهم وموروثاتهم الجاهلية لن يستطيعوا التخلي عنها بسهولة ، ولن يستسلموا طواعية ، فلكي يسمعوا من محمد دعوته وينظروا في أمر الإيمان به ، فليطرد هؤلاء الضعفاء من مجلسه لكيلا يعيّر بهم الأسياد فيقال إنهم جلسوا مع الأرقاء والفقراء والمستضعفين في مجلس واحد . فهذا - في نظرهم - مما يزري بمكانتهم كما أن رائحة جباب هؤلاء تؤذي القوم ، فإن كان حريصا على إسلام السادة الزعماء فليهيّئ لهم الجو المناسب اللائق بمقامهم فالمناسبة بين المقطع الأول والثاني كالمناسبة بين المقدمة والنتيجة فلما جاء الجواب على سؤالهم ، فالنتيجة المنطقية أن يدخلوا الإسلام ولكن القوم طلبوا ما طلبوا واشترطوا ما اشترطوا ليبرروا موقفهم المعاند ولو بأتفه الأسباب .
2 - الوجه الثاني من المناسبة بين المقطع الأول والثاني : لما ورد ذكر الفتية المؤمنين في المقطع الأول ومنزلتهم في الحفاظ على العقيدة والتضحية في سبيل اللّه وكرامتهم على اللّه تعالى
ناسب أن يذكر لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن في أمته أمثال أولئك فلا ينبغي التفريط فيهم ، بل الواجب تقريبهم والعناية بهم فهم عدة الدعوة ووقود المعارك ، وهم المخلصون الذين يعتمد عليهم - بعد اللّه - في الملمّات والشدائد .
أما الغافلون عن ذكر اللّه ، السادرون في ملذاتهم وشهواتهم ، العابدون لأهوائهم فلا خير فيهم ، وليسوا أهلا للقيام بأعباء الدعوة ولا يزنون عند اللّه جناح
مباحث في التفسير الموضوعي — صفحة 221
مساهمون: مصطفى مسلم
ص٢٢١