تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في التفسير الموضوعي — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
قيصر الروم عندما سأل أبا سفيان عنه - « 1 » ، وكان عليهم أن يتدبروا ما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم من الهدايات ويقارنوها بما عندهم - كما فعل النجاشي رضي اللّه عنه - « 2 » ليحكموا بعد ذلك على الدعوة وصاحبها . هاتان الوسيلتان هما المنهج الصحيح الذي كان على اليهود أن يسلكوه . أما مثل هذه المعلومات الغيبية فإن الجهل بها ليس دليلا على عدم صدق المسؤول ، فهذا موسى عليه السلام ، وهو من أعظم أنبياء بني إسرائيل قاطبة ومن أولي العزم من الرسل ، ومجال افتخار اليهود جميعا قد جهل أمورا ثلاثة في رحلته مع الخضر عليه السلام ، ولم يؤثر ذلك في مكانته عند بني إسرائيل ولا في أذهان المسلمين ، ولم يقل أحد إن جهله بها قد أثر على صدقه في نبوته ، ومقامه عند ربه . . . فلما ذا تجعلون - معشر اليهود - مثل هذه الاستفسارات وسيلة تشكيك في دعوة الحق التي جاء بها محمد صلى اللّه عليه وسلم . ولئن لجأت قريش إلى مثل هذا الموقف لأن الموازين مختلة عندهم وليسوا أهل علم وكتاب سماوي ، وقد انطمست أنوار الفطرة لديهم فإن لديكم مقاييس الوحي السماوي - مما لم تطاوله أيديكم بالتحريف والتشويه - وبواسطتها يمكنكم تقويم الدعوات والمواقف والأشخاص وإدراك الصادق من غيره . ومن هذا الجانب أيضا نجد أن قصة موسى والخضر عليهما السلام وثيقة الصلة بهدف سورة الكهف ، وبالقيم الصحيحة التي اشتملت عليها ، وبالموازين المختلفة والقيم الزائفة التي تبناها المنحرفون والمفسدون . فكل القصص الأربع - التي تشكل المقاطع الأساسية في السورة - توجه الأنظار إلى ما ينبغي أن يكون عليه الحال تجاه دعوة الحق ، وتبرز القيم الصحيحة التي تتخذ موازين لتمييز الحق والصدق والصواب من غيرها . لقد اشتملت القصص الأربع في سورة الكهف أسباب الفتن الأساسية في الحياة الدنيا : فتنة السلطان ، والمال ، والعلم ، والأسباب .
هامش
( 1 ) انظر تفصيل ذلك في صحيح البخاري ، كتاب بدء الوحي : 1 / 5 . ( 2 ) انظر تفصيل ذلك في : السيرة النبوية لابن هشام مع حاشية الروض الآنف : 2 / 88 .
مباحث في التفسير الموضوعي — صفحة 189 | مصطفى مسلم