إن هداية الإنسان إلى طريق الحق لا تكون دائما بجدوى الأدلة الصحيحة ، وقوتها ووجاهتها . فكم من شخص قد أبدى وجاهة الأدلة التي يناقش بها ، وإنه لا يجد وسيلة لدفعها أو ردها ، ومع ذلك لا تستسلم نفسه ولا يخضع عقله وقلبه لما أفحم به ، بل يبقى على كفره وإلحاده .
وربما صادفته حادثة معينة في حياته كانت سببا لإيمانه والتزامه بدعوة الحق .
- لقد آمن بعض المشركين في صدر الإسلام لأسباب لا تحصى .
فمنهم من آمن لأنه اطلع من سيرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على جوانب مشرقة - وكل سيرته تشرق ضياء وحقا عليه الصلاة والسلام - ما حمله على إعلان كلمة التوحيد وأن يشهد شهادة الحق ، فقد قال أحدهم ، لقد رأيت محمدا لا يدعو إلى شيء إلّا ويكون أول العاملين به ، ولا ينهى عن شيء إلا ويكون أول المجتنبين له .
- وآمن بعضهم لما حدثه به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من المستقبل المشرق للإسلام وانتشار الأمن والطمأنينة في المجتمع الإسلامي ، ووفرة المال بين الأيدي ، وفتح البلاد المزدهرة ( كمدائن فارس . . . ) على أيدي المسلمين - حادثة - سراقة بن مالك « 1 » ، وعدي بن حاتم « 2 » .
أو بإخبار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم له بأمر غيبي كما حدث لعمير بن وهب ، عندما جاء لاغتيال رسول اللّه في المدينة بعد ( بدر ) وتحمل صفوان بن أمية ديونه وتكفل عياله ، . . . وقد جاء متظاهرا بفداء ابنه ( وهب ) « 3 » .
- وآمن بعضهم لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعطي عطاء من لا يخشى الفقر .
- وآمن بعضهم لأنه عندما قتل أحد الصحابة ، وفي لحظة لا يمكن أن يكون فيها المرء إلا صادقا مع نفسه قال ذاك الصحابي : ( فزت بها ورب الكعبة ) « 4 » . . .
هامش
( 1 ) انظر : السيرة النبوية لابن هشام : 2 / 233 .
( 2 ) انظر تفصيل ذلك في : السيرة النبوية لابن هشام : 4 / 212 .
( 3 ) السيرة النبوية لابن هشام : 3 / 71 .
( 4 ) انظر ذلك في : ترجمة ( جبار بن سلمى ) في أسد الغابة لابن الأثير : 1 / 315 .