- وبدأ بالعدل لأنه فرض ، وتلاه بالإحسان لأنه مندوب إليه وقد يجب ، فاحتوت الآية على حسن النسق ، وعطف الجمل بعضها على بعض فقدم العدل وعطف عليه بالإحسان الذي هو جنس عام ، وخص منه نوعا خاصا وهو إيتاء ذي القربى .
- ثم أتى بالأمر مقدما ، وعطف عليه النهي بالواو ، ثم رتب جمل المنهيات كما رتب جمل المأمورات في العطف بحيث لم يتأخر في الكلام ما يجب تقديمه ولم يتقدم عليه ما يجب تأخيره .
- ثم ختم ذلك كله بأمور مستحسنة ودعا إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة فاحتوت الآية على ضروب من المحاسن والقضايا وأشتات من الأوامر والنواهي والمواعظ والوصايا ، ما لو بث في أسفار عديدة لما أسفرت عن وجوه معانيها ، ولا احتوت على أصولها ومبانيها « 1 » .
ب - المثال الثاني على الإيجاز بسورة قصيرة من القرآن الكريم وهي سورة الكوثر وأقصر سور القرآن : فعلى الرغم من كلماتها القليلة المحدودة تضمنت من المعاني البديعة والفصاحة والبلاغة الرائعة التي اقتضت بها أن تكون مصداقا لقوله تعالى :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
( 23 ) [ البقرة : 23 ] .
فمن هذه المزايا والنكات البلاغية في سورة الكوثر :
1 - أن قوله تعالى :
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ
( 1 ) دل على عطية كثيرة مسندة إلى معط كبير ، ومن كان كذلك كانت النعمة عظيمة عنده ، وأراد بالكوثر الخير الكثير ، ومن ذلك الخير الكثير ينال أولاده إلى يوم القيامة من أمته ، من غير ما وعد به اللّه وأعطاه في الدارين ، من مزايا التعظيم ، والتقديم ، والثواب ما لم يعرفه إلا اللّه ، وقيل إن الكوثر ما اختص
هامش
( 1 ) « الفوائد المشوق » لابن القيم ، ص 69 .