هذا وقد بلغت فتنة خلق القرآن وقدمه ذروتها القصوى في أواخر القرن الثاني للهجرة عندما تولى المأمون العباسي « 1 » زمام الحكم وقيامه ببذل التسهيلات بوجه ترجمة الكتب اليونانية والفلسفية إلى اللغة العربية ووضعها في متناول أبناء الشعب ، إضافة لمباركة الخليفة للمناظرات والمناقشات التي تحدث بين الناس والتي تخص مواضيع الطبيعة وما وراءها ومسائل العدم والوجود وغيرها . .
ولو أن الأمر قد وقف عند حدود المطالعات والمباحثات البحتة في مسائل ما وراء الطبيعة أو في المواضيع الفلسفية لهان الأمر ولمرّ مرورا سريعا من دون ان يحس به أحد . .
ولكن تدخل بعض الخلفاء والحكام السافر ودس أنوفهم في خضم هذه المناقشات والانتصار لهذه الفكرة تارة ولتلك تارة أخرى مع استعمال العنف في إشاعة الفكرة التي ينتصر لها قد زاد في الطين بلة واخرج هذه المناظرات من مجرد بحث وجدل منطقي وفكري إلى حرب مستعرة الأوار تلتهم الأخضر واليابس من دون ان تترك شيئا . .
هامش
( 1 ) ولد المأمون عام 170 ه وقد تولى الخلافة بعد قتل أخيه الأمين عام 198 ه ، حيث قال الأخير قبل ذلك وعند تولّيه الخلافة بعد وفاة الرشيد بخلع المأمون عن ولاية العهد وإسنادها إلى ابنه موسى ، مما أدى إلى نشوب الحرب بين الأخوين واستعانة المأمون بالقوات الفارسية لاجتياح بغداد عاصمة الخلافة وقتل أخيه الأمين . .
وكان المأمون من عظماء الخلفاء العباسيين حيث قرّب الحكماء والشعراء وطلب ترجمة الكتب المختلفة إلى العربية ، وكان سمحا يميل إلى الإقناع والمناقشة واحتمال آراء المتناظرين وإن كانت هذه لا تتفق مع آرائه وميوله . .
اسند المأمون ولاية العهد إلى الإمام علي بن موسى الرضا - ع - إلّا أن الإمام توفي في عهد المأمون مما أضطره إلى تولية أخيه محمد المعتصم محل الإمام الرضا ، أمه فارسية وكذلك زوجته . .
توفي في بلاد بيزنطية شمال طرسوس عام 218 ه . .