إذن فالمحكم والمتشابه نوعان موجودان في القرآن ، ويتعلقان - كما رأيت - بوضوح المعنى وعدمه .
وهذا أمر طبيعي فالتفاوت في الوضوح يوجد في كل كلام ، فهناك الواضح الذي لا غموض فيه ولا يحتاج إلى جهد في فهمه وتفسيره ، بل معناه مفهوم يتبادر إلى الذهن مباشرة ، وهناك نصوص محتملة ليست في تلك الدرجة من الوضوح ، ولا يقوى الناس جميعا على فهمها وإدراك مغزاها .
والآية المتقدمة تشير إلى أنّ الذين يريدون الحق لا يذهبون إلى تلك النصوص المتشابهة ويحمّلونها ما لا تحمل ، ولا يستغلون غموضها لتأويلها .
بما يتناسب واغراضهم ، فذلك فعل الذين في قلوبهم زيغ ، وأما المؤمنون العلماء فإنهم يلتزمون الواضح فيعملون به ويؤمنون بالمتشابه انه من عند اللّه ، ويدعون محاولة التعسف في فهمه وتأويله .
* * *
هل المتشابه مما يمكن معرفته ؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين :
الأول : انه يمكن الاطلاع على علم المتشابه للراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله ، واختار هذا القول الامام النووي فقال في « شرح مسلم » :
إنه الأصح ، لأنه يبعد أن يخاطب اللّه عباده بما لا سبيل لاحد من الخلق إلى معرفته .
الثاني : أنه لا يمكن لأحد الاطلاع على علمه ولا يعلمه الا اللّه ، وأما الراسخون في العلم فإنهم يقولون : آمنا به كل من عند ربنا .
وأيد السيوطي هذا القول بأنه قول أكثر الصحابة والتابعين .