مسلك فهمه وإفهامه على مقدرتهم وطاقتهم ، وأن الشريعة أمية . وهو أساس واه لوجود ستة : الأول : أن ما بناه عليه يقتضى أن القرآن لم يقصد منه انتقال العرب من حال إلى حال وهذا باطل لما قدمناه ، قال تعالى :
تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا
« 1 » . الثاني : أن مقاصد القرآن راجعة إلى عموم الدعوة وهو معجزة باقية ، فلا بد أن يكون فيه ما يصلح لأن تتناوله أفهام من يأتي من الناس في عصور انتشار العلوم في الأمة . الثالث : أن السلف قالوا : إن القرآن لا تنقضى عجائبه يعنون معانيه ، ولو كان كما قال الشاطبى لا نقضت عجائبه بانحصار أنواع معانيه . الرابع : أن من تمام إعجازه أن يتضمن من المعاني مع إيجاز لفظه ما لم تف به الأسفار المتكاثرة . الخامس : أن مقدار أفهام المخاطبين به ابتداء لا يقضى إلا أن يكون المعنى الأصلي مفهوما لديهم ، فأما ما زاد على المعاني الأساسية فقد يتهيأ لفهمه أقوام ، وتحجب عنه أقوام ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه . السادس : أن عدم تكلم السلف عليها إن كان فيما ليس راجعا إلى مقاصده فنحن نساعد عليه ، وإن كان فيما يرجع إليها فلا نسلم وقوفهم فيها عند ظواهر الآيات بل قد بيّنوا وفصّلوا وفرّعوا في علوم عنوا بها ، ولا يمنعنا ذلك أن نقفّى على آثارهم في علوم أخرى راجعة لخدمة المقاصد القرآنية أو لبيان سعة العلوم الإسلامية ، أما ما وراء ذلك فإن كان ذكره لإيضاح المعنى فذلك تابع للتفسير أيضا . لأن العلوم العقلية إنما تبحث عن أحوال الأشياء على ما هي عليه ، وإن كان فيما زاد على ذلك فذلك ليس من التفسير لكنه تكملة للمباحث العلمية واستطراد في العلم لمناسبة التفسير ؛ ليكون متعاطى التفسير أوسع قريحة في العلوم .
وذهب ابن العربي في العواصم إلى إنكار التوفيق بين العلوم الفلسفية والمعاني القرآنية ولم يتكلم على غير هاته العلوم ، وذلك على عادته في تحقير الفلسفة لأجل ما خولطت به من الضلالات الاعتقادية ، وهو مفرط في ذلك مستخف بالحكماء .
وأنا أقول : إن علاقة العلوم بالقرآن على أربع مراتب :
الأولى : علوم تضمّنها القرآن كأخبار الأنبياء والأمم ، وتهذيب الأخلاق والفقه
هامش
( 1 ) سورة هود : الآية 49 .