الْعَذابِ
« 1 » ، فإنه يفهم من مفهوم موافقته أن العبد الذكر كالأمة في ذلك يجلد خمسين ، فيبين هذا المفهوم أن المراد بالزاني خصوص الحر .
واعلم أن مثل هذا من مفهوم الموافقة يسميه الشافعي وبعض الأصوليين قياسا ، وهو المعروف عندهم بالقياس في معنى الأصل ، ويسمى مفهوم الموافقة ، وإلغاء الفارق ، وتنقيح المناط ، وأكثر أهل الأصول على أنه مفهوم وليس بقياس ، كما سترى تحقيقه في مواضع من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى ، ومن أمثلة بيان المنطوق بالمفهوم قوله في الخمر :
رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
« 2 » فإنه يدل على أنها نجسة العين ؛ لأن الرجس هو المستقذر الخبيث ويدل له مفهوم قوله في شراب الآخرة :
وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً
« 3 » ؛ فإن مفهومه أن خمر أهل الدنيا ليست كذلك كما قاله الفراء وغير واحد .
الرابعة : بيان مفهوم بمفهوم ومثاله قوله تعالى :
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
« 4 » على القول بأن المراد بالمحصنات الحرائر ، كما روى عن مجاهد فإنه يدل بمفهومه على أن الأمة الكتابية لا يجوز نكاحها ، ويدل لهذا أيضا مفهوم قوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ
« 5 » فمفهوم قوله المؤمنات يدل على منع تزويج الإماء الكافرات ولو عند الضرورة ، وهو بيان مفهوم بمفهوم كما ترى .
واعلم - وفقني اللّه وإياك لما يحبه ويرضاه - أن هذا الكتاب المبارك تضمن أنواعا كثيرة جدا من بيان القرآن بالقرآن غير ما ذكرنا تركنا ذكر غير هذا منها خوف إطالة الترجمة ، والمقصود بما ذكرنا من الأمثلة مطلق بيان كثرة الأنواع التي تضمنها واختلاف جهاتها - وفي البعض تنبيه لطيف على الكل » « 6 » .
قال ابن عاشور : « فطرائق المفسرين للقرآن ثلاث ، إما الاقتصار على الظاهر من المعنى الأصلي للتركيب مع بيانه وإيضاحه وهذا هو الأصل . وإما استنباط معان من وراء الظاهر تقتضيها دلالة اللفظ أو المقام ولا يجافيها الاستعمال ولا مقصد القرآن ، وتلك هي
هامش
( 1 ) سورة النّساء : الآية 25 .
( 2 ) سورة المائدة : الآية 90 .
( 3 ) سورة الانسان : الآية 21 .
( 4 ) سورة المائدة : الآية 5 .
( 5 ) سورة النساء : الآية 25 .
( 6 ) أضواء البيان ج 1 ص 15 - 30 .