أحد الأقوال المختلفة المنقولة عنهم في الآية ، ويجتنب عن خرق إجماعهم ، والخروج عن جماعتهم مردود بأنهم أنفسهم لم يسلكوا هذا الطريق ، ولم يستلزموا هذا المنهج ولم يبالوا بالخلاف فيما بينهم ، فكيف يجب على غيرهم أن يقفوا على ما قالوا به ولم يختصوا بحجية قولهم على غيرهم ، ولا بتحريم الخلاف على غيرهم دونهم ؟ .
على أن هذا الطريق وهو الاقتصار على ما نقل من مفسري صدر الإسلام من الصحابة والتابعين في معاني الآيات القرآنية يوجب توقف العلم في سيره ، وبطلان البحث في أثره كما هو مشهود في ما بأيدينا من كلمات الأوائل والكتب المؤلفة في التفسير في القرون الأولى من الإسلام ، ولم ينقل منهم في التفسير إلا معان ساذجة بسيطة خالية عن تعمق البحث وتدقيق النظر ، فأين ما يشير اليه قوله تعالى :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
« 1 » ، من دقائق المعارف في القرآن ؟ .
وأما استبعاد أن تختفي عليهم معاني القرآن مع ما هم عليه من الفهم والجد والاجتهاد فيبطله نفس الخلاف الواقع بينهم في معاني كثير من الآيات ، والتناقض الواقع في الكلمات المنقولة عنهم ، إذ لا يتصور اختلاف ولا تناقض إلا مع فرض خفاء الحق واختلاط طريقه بغيره .
فالحق أن الطريق إلى فهم القرآن الكريم غير مسدود ، وإن البيان الإلهي والذكر الحكيم بنفسه هو الطريق الهادي إلى نفسه ، أي انه لا يحتاج في تبيين مقاصده إلى طريق ، فكيف يتصور أن يكون الكتاب الذي عرفه اللّه تعالى بأنه هدى وأنه نور وأنه تبيان لكل شيء مفتقرا إلى هاد غيره ومستنيرا بنور غيره ومبينا بأمر غيره ؟ .
فإن قلت : قد صح عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال في آخر خطبة خطبها : « إني تارك فيكم الثقلين ؛ الثقل الأكبر والثقل الأصغر . فأما الأكبر فكتاب ربي ، وأما الأصغر فعترتي أهل بيتي فاحفظوني فيهما فلن تضلوا ما تمسكتم بهما » . رواه الفريقان بطرق متواترة عن جم غفير من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عنه ، أنهى علماء الحديث عدتهم إلى خمسة وثلاثين صحابيا ؛ وفي بعض الطرق : « لن يفترقا حتى يردا على الحوض » ، والحديث دال على
هامش
( 1 ) سورة النحل : الآية 89 .