وذلك نحو الكلام في صفات الباري - عز وجل - فإن الناظر [ من اللفظ ] وقع عليه الشبهة العظيمة في نحو قوله تعالى :
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
« 1 » ، وقوله :
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
« 2 » ، وما يجري مجراه .
وأهل الحقائق لما تبيّنوا « 3 » - بالبراهين - ان اللّه تعالى واحد منزه عن التكثر - فكيف عن الجوارح - بنوا الألفاظ على ذلك ، وحملوها على مجاز اللغة ومشاع « 4 » الألفاظ فصينوا عما وقعت فيه « 5 » الفرقة الأولى « 6 » « 7 » .
قال الراغب في كيفية بيان القرآن :
اعترض [ بعض ] الناس فقال : كيف وصف القرآن بالبيان . فقال تعالى :
هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ
« 8 » ،
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا
« 9 » ، وقال :
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
« 10 » ، وقال :
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ
« 11 » ، وقد علم ما فيه من الإشكال والمتشابه ، وما يجري مجرى الرموز ، نحو قوله تعالى :
وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ
هامش
( 1 ) سورة المائدة : الآية 64 . ويقصد بالشبهة العظيمة شبهة التشبيه ، غير أن الخطابي الذي اعتبره الراغب ناظرا من اللفظ إلى المعنى قد صرح تصريحا قاطعا بنفي ذلك كله حينما قال : « ولا نقول إنها جوارح ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل . . » ومما يوضح رأي الخطابي ما ذكره ابن تيمية في « الرسالة المدنية في تحقيق المجاز والحقيقة في صفات اللّه تعالى » صفحة : 8 - 13 فانظره هناك .
( 2 ) سورة القمر : الآية 14 .
( 3 ) في نسخة : بينوا .
( 4 ) في نسخة : مساغ .
( 5 ) في نسخة : عليه .
( 6 ) يقصد ب « الفرقة الأولى » : الناظرين من اللفظ إلى المعنى ، وهم الخطابي ومن قال بقوله في الإيمان بآيات الصفات .
والذي لا بدّ من بيانه هنا : أن كلام الخطابي في غاية الوضوح ولا يتأتى منه أي إشكال لأنه يقوم على إثبات الصفة ونفي التشبيه والتكييف . أما اللجوء إلى المجاز في هذا فابن تيمية يرى أنه لا يصار اليه - وإن كان لا يسميه مجازا - إلا بقرينة دالة عليه في سياق الكلام ، وهو ينكر فكرة تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز ، كما ينكر أن الأصل في الكلام حمله على الحقيقة فإذا تعذر ذلك حمل على المجاز . وعنده أن ما يسمى بالمجاز إذا دلت عليه قرينة في سياق الكلام فهو حقيقة ، وما يسمى بالحقيقة لا بد أيضا من قرينة تدل عليه في سياق الكلام . وعلى هذا فلا حاجة لهذا التقسيم إلى حقيقة ومجاز ، ولا حاجة إلى اعتبار الحقيقة هي الأصل فإذا تعذرت حمل الكلام على المجاز ، فالقرينة في سياق الكلام هي التي تحدد المعنى المراد ، وفي كلا الحالين يكون المعنى حقيقة . وبالنسبة لآيات الصفات عنده فالقرائن تدل على أن المراد بها ما يسمى بالحقيقة - في اصطلاح القائلين بالحقيقة والمجاز .
( 7 ) جامع التفاسير ج 1 ص 28 - 41 .
( 8 ) سورة آل عمران : الآية 138 .
( 9 ) سورة النساء : الآية 176 .
( 10 ) سورة الشعراء : الآية 195 .
( 11 ) سورة النور : الآية 34 .