والثالث أن نقول : التعاريف اللفظية تصديقات على رأي بعض المحققين فهي تؤول إلى قضايا ، وتفرع المعاني الجمة عنها نزلها منزلة الكلية ، والاحتجاج عليها بشعر العرب وغيره يقوم مقام البرهان على المسألة ، وهذا الوجه يشترك مع الوجه الأول في تنزيل مباحث التفسير منزلة المسائل ، إلا أن وجه التنزيل في الأول راجع إلى ما يتفرع عنها ، وهنا راجع إلى ذاتها ، مع أن التنزيل في الوجه الأول في جميع الشروط الثلاثة وهنا في شرطين ، لأن كونها قضايا إنما يجيء على مذهب بعض المنطقيين .
الرابع أن نقول : إن علم التفسير لا يخلو من قواعد كلية في أثنائه مثل تقرير قواعد النسخ عند تفسير
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ
« 1 » ، وتقرير قواعد التأويل عند تقرير
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ
« 2 » ، وقواعد المحكم عند تقرير
مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ
« 3 » ، فسمي مجموع تلك وما معه علما تغليبا ، وقد اعتنى العلماء بإحصاء كليات تتعلق بالقرآن ، وجمعها ابن فارس ، وذكرها عنه في الإتقان ، وعنى بها أبو البقاء الكفوي في كلياته ، فلا بدع أن تزاد تلك في وجوه شبه مسائل التفسير بالقواعد الكلية .
الخامس : أن حق التفسير أن يشتمل على بيان أصول التشريع وكلياته فكان بذلك حقيقا بأن يسمى علما ، ولكن المفسرين ابتدءوا بتقصى معاني القرآن فطفحت عليهم وحسرت دون كثرتها قواهم ، فانصرفوا عن الاشتغال بانتزاع كليات التشريع إلا في مواضع قليلة .
السادس - وهو الفصل - : أن التفسير كان أول ما اشتغل به علماء الاسلام قبل الاشتغال بتدوين بقية العلوم ، وفيه كثرت مناظراتهم وكانت تحصل من مزاولته والدربة فيه لصاحبه ملكة يدرك بها أساليب القرآن ودقائق نظمه ، فكان بذلك مفيدا علوما كلية لها مزيد اختصاص بالقرآن المجيد ، فمن اجل ذلك سمي علما .
ويظهر أن هذا العلم إن أخذ من حيث إنه بيان وتفسير لمراد اللّه من كلامه كان معدودا من أصول العلوم الشرعية ؛ وهي التي ذكرها الغزالي في الضرب الأول من العلوم
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 106 .
( 2 ) سورة آل عمران : الآية 7 .
( 3 ) سورة آل عمران : الآية 7 .