المشاق والنظر والاستدلال إلى فهم المراد ، فيستحقوا به عظيم المنزلة وعالي الرتبة » « 1 » .
قال الراغب في بيان حكمة اللّه تعالى في جعله بعض الآيات متشابها :
« سئل بعض العابدين ، فقيل له : ما بال القرآن جعل بعضه محكما وبعضه متشابها ؟
وهلا جعله كله على نمط المحكم حتى كان يكفي الانسان مئونة النظر الذي قل ما سلم متعاطيه من زلة ؟
وهذه مسألة نسأل عنها في الأحكام أيضا فنقول : هلا بينها كلها حتى يستغنى عن جهد الرأي الذي لا يؤمن خطؤه ؟ بل سئل عنها في أصل التكليف فيقال : هلا خوّلنا اللّه إنعامه بلا مشقة ولا مؤنة حتى كان عطاؤه أهنأ منالا ؟
فقال : الجواب عن جميع ذلك واحد ، وهو أن اللّه تعالى خص الانسان بالفكر والتمييز ، وشرفه بهما ، حتى قال تعالى :
وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا
« 2 » ، وجعله بذلك خليفة في الأرض ، فقال للملائكة :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
« 3 » ، وقال تعالى :
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
« 4 » ، وقال تعالى :
وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ
« 5 » الآية ، وقال تعالى :
وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها
« 6 » ، وكفاه شرفا بما أعطاه من هذه المنزلة أنه قد يصير لأجلها شريفا موصوفا بالعلم والحلم والحكمة ، وكثير من الصفات التي هي من صفاته تعالى ، وإن لم تكن « 7 » على حدها وحقيقتها .
ولما خصه اللّه تعالى بهذه الفضيلة - أعني بالفكر والروية - أعطاه كل ما أعطاه من المعارف « 8 » قاصرة عن درجة الكمال ، ليكمله الانسان بفكرته ، لئلا تتعطل « 9 » فائدتها ، وإلا كان موجدا لما لا فائدة فيه « 10 » ، وذلك شنيع ينزه عنه الباري سبحانه ، وعلى ذلك أحوال كل ما أوجده لنا من المأكولات والمشروبات ، لأنه أوجد لنا أصول الأغذية ، ثم
هامش
( 1 ) التبيان ج 1 ص 9 - 10 .
( 2 ) سورة الإسراء : الآية 70 .
( 3 ) سورة البقرة : الآية 30 .
( 4 ) سورة النور : الآية 55 .
( 5 ) سورة الأعراف : الآية 125 .
( 6 ) سورة هود : الآية 61 .
( 7 ) في نسخة : يكن .
( 8 ) في نسخة : المعاون . وهو تصحيف .
( 9 ) في نسخة : يتعطل .
( 10 ) في نسخة : كانت موجودا لا فائدة فيه .