فيما هو من عالم الأمر والتدبير ، فالذي يكون فوق الخلق والأمر جميعا فهو محتجب عن الحس والعقل جميعا ، فلا يدرك نور الحق إلا بنور الحق ، ولا ينال إلا بقوة من له الأمر والخلق ، كما ورد عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق أنه قال : قال علي عليه السّلام :
« اعرفوا اللّه باللّه « 1 » والرسول بالرسالة « 2 » وأولي - الأمر بالأمر بالمعروف . . . » الحديث .
وللدلالة على تفاوت المقامات قال تعالى في صفة القرآن :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ، لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
« 3 » ، فذكر له أوصافا بحسب درجاته ، ومقاماته ، أولها وأعلاها الكرامة عند اللّه ، وأدناها التنزل إلى هذا العالم من عند رب العالمين . ولا شك أن كلام اللّه من حيث هو كلامه قبل النزول إلى عالم الامر - وهو اللوح المحفوظ - وقبل نزوله إلى عالم السماء الدنيا - وهو لوح المحو والإثبات - ونزوله إلى عالم الخلق والتقدير ، له مقام شامخ إلهي لا يعلمه إلا اللّه ، ولا يدركه أحد من الأنبياء ، إلا في مقام الأحدية عند انسلاخه عن القيود الإمكانية ، وتجرده عن الكونين ، وخروجه عن النشأتين ، وتجاوزه عن العالمين - الخلق والأمر - وبلوغه
« قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى »
كما أخبر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن حاله : « لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل » . وللإشارة إلى هذا المقام قوله تعالى :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
« 4 » ، وقوله :
لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ
« 5 » . . . وفي الحديث : « إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء باللّه » . وللإشارة إلى مقام القلب المعنوي والحس الباطني قوله تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
« 6 » ، وقوله حكاية عن الكفار :
لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ
« 7 » . . . وللإشارة إلى مقام الحس الظاهر من منازل القرآن قوله :
فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
« 8 » . . وللإشارة إلى تفاوت
هامش
( 1 ) أي اعرفوا اللّه بنور وارد من عنده على قلوبكم ، وتقربوا إليه حتى يصدق في حقكم قوله الحق : ( بي يبصر ، وبي يسمع ) .
( 2 ) ورد في الحديث : « إن من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوّة بين جنبيه » وروي كذلك : « إن للّه عبادا ليسوا بأنبياء يغبطهم النبيّون » .
( 3 ) سورة الواقعة : الآية 77 - 80 .
( 4 ) سورة آل عمران : الآية 7 .
( 5 ) سورة النمل : الآية 65 .
( 6 ) سورة ق : الآية 37 .
( 7 ) سورة الملك : الآية 10 .
( 8 ) سورة التوبة : الآية 6 .