تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
« 1 » .
إلا بأن يكون المراد بيان علة الحكم ، وان عدم الإكراه إنما هو لعدم الحاجة اليه من جهة وضوح الرشد وتبيّنه من الغي ، وإذا كان هذا هو المراد فلا يمكن نسخه ، فإن دين الإسلام كان واضح الحجة ، ساطع البرهان من أول الأمر ، الا أن ظهوره كان يشتد شيئا فشيئا .
ومعنى هذا أن الإكراه في أواخر دعوة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أحرى بأن لا يقع لأن برهان الإسلام في ذلك العهد كان أسطع ، وحجته أوضح . ولما كانت هذه العلة مشتركة بين طوائف الكفار ، فلا يمكن تخصيص الحكم ببعض الطوائف دون بعض ، ولازم ذلك حرمة مقاتلة الكفار جميعهم ، وهذه نتيجة باطلة بالضرورة .
فالحق : أن المراد بالإكراه في الآية ما يقابل الاختيار ، وأن الجملة خبرية لا إنشائية .
والمراد من الآية الكريمة هو بيان ما تكرر ذكره في الآيات القرآنية كثيرا ، من أن الشريعة الإلهية غير مبتنية على الجبر ، لا في أصولها ولا في فروعها ، وإنما مقتضى الحكمة إرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، وإيضاح الأحكام ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حييّ عن بينة ، ولئلا يكون للناس على اللّه حجة ، كما قال تعالى :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
« 2 » .
وحاصل معنى الآية : أن اللّه تعالى لا يجبر أحدا من خلقه على إيمان ولا طاعة ، ولكنه يوضع الحق ويبيّنه من الغيّ . وقد فعل ذلك ، فمن آمن بالحق فقد آمن به عن اختيار ، ومن اتبع الغيّ فقد اتبعه عن اختيار ، واللّه سبحانه وإن كان قادرا على أن يهدي البشر جمعا - ولو شاء لفعل - لكن الحكمة اقتضت لهم أن يكونوا غير مجبورين على أعمالهم ، بعد ايضاح الحق لهم وتمييزه عن الباطل . فقد قال عز من قائل :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
« 3 » ،
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
« 4 » ،
وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 256 .
( 2 ) سورة الانسان : الآية 3 .
( 3 ) سورة المائدة : الآية 48 .
( 4 ) سورة الأنعام : الآية 149 .