أيضا وسنتعرض للكلام كل في محله إن شاء اللّه تعالى .
10 -
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
« 1 » .
فقد قال جماعة : إنها منسوخة بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ
« 2 » .
وذهب بعضهم إلى أنها مخصوصة بأهل الكتاب ، فإنهم لا يقاتلون لكفرهم . وقد عرفت ذلك فيما تقدم .
والحق : أن الآية محكمة وليست منسوخة ، ولا مخصوصة ، وتوضيح ذلك : أن الكره في اللغة يستعمل في معنيين . أحدهما : ما يقابل الرضا ، ومنه قوله تعالى :
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
« 3 » .
وثانيهما : ما يقابل الاختيار ، ومنه قوله تعالى :
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً
« 4 » .
فإن الحمل والوضع يكونان في الغالب عن رضى ، ولكنهما خارجان عن الاختيار ، والقول بالنسخ أو بالتخصيص يتوقف على أن الإكراه في الآية قد استعمل بالمعنى الأول ، وهو باطل لوجوه :
1 - إنه لا دليل على ذلك : ولا بد في حمل اللفظ المشترك على أحد معنييه من وجود قرينة تدل عليه .
2 - إن الدين أعم من الأصول والفروع : وذكر الكفر والإيمان بعد ذلك ليس فيه دلالة على الاختصاص بالأصول فقط ، وإنما ذلك من قبيل تطبيق الكبرى على صغراها . ومما لا ريب فيه أن الإكراه بحق كان ثابتا في الشرع الإسلامي من أول الأمر على طبق السيرة العقلائية . وأمثلته كثيرة . فمنها إكراه المديون على أداء دينه ، وإكراه الزوجة على إطاعة زوجها ، وإكراه السارق على ترك السرقة ، إلى أمثال ذلك . فكيف يصح أن يقال : إن الإكراه في الشريعة الإسلامية لم يكن في زمان .
3 - إن تفسير الإكراه في الآية بالمعنى الأول « ما يقابل الرضا » لا يناسبه قوله تعالى :
قَدْ
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 256 .
( 2 ) سورة التوبة : الآية 216 .
( 3 ) سورة البقرة : الآية 216 .
( 4 ) سورة الأحقاف : الآية 15 .