الآيات القرآنية الآمرة بالقتال إنما وردت في جهاد المشركين ودعوتهم إلى الإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر . وأما أهل الكتاب فلا يجوز قتالهم إلا مع وجود سبب آخر من قتالهم للمسلمين ، لقوله تعالى :
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
« 1 » .
أو إلقائهم الفتنة بين المسلمين ، لقوله تعالى بعد ذلك :
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ
« 2 » .
أو امتناعهم عن اعطاء الجزية للآية المتقدمة . وأما مع عدم وجود سبب آخر فلا يجوز قتالهم لمجرد الكفر ، كما هو صريح الآية الكريمة .
وحاصل ذلك : أن الأمر في الآية المباركة بالعفو والصفح عن الكتابيين ، لأنهم يودّون أن يردّوا المسلمين كفارا - وهذا لازم عادي لكفرهم - لا ينافيه الأمر بقتالهم عند وجود سبب آخر يقتضيه . على أن متوهم النسخ في الآية الكريمة قد حمل لفظ الأمر من قوله تعالى :
حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
« 3 » .
على الطلب ، فتوهم أن اللّه أمر بالعفو عن الكفار إلى أن يأمر المسلمين بقتالهم فحمله على النسخ .
وقد اتضح للقارئ أن هذا - على فرض صحته - لا يستلزم النسخ ولكن هذا التوهم ساقط ، فان المراد بالأمر هنا الأمر التكويني وقضاء اللّه تعالى في خلقه ، ويدل على ذلك تعلق الإتيان به . وقوله تعالى بعد ذلك :
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
« 4 » .
وحاصل معنى الآية : الأمر بالعفو والصفح عن الكتابيين بودّهم هذا ، حتى يفعل اللّه ما يشاء في خلقه من عز الاسلام ، وتقوية شوكته ، ودخول كثير من الكفار في الاسلام ، واهلاك كثير من غيرهم ، وعذابهم في الآخرة ، وغير ذلك مما يأتي اللّه به من قضائه وقدره .
2 -
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ
. « 5 »
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 190 .
( 2 ) سورة البقرة : الآية 191 .
( 3 ) سورة البقرة : الآية 109 .
( 4 ) سورة البقرة : الآية 109 .
( 5 ) سورة البقرة : الآية 115 .