وروى عن الأصمعي أنه تسمع كلام جارية ، فقال لها : قاتلك اللّه ما أفصحك ، فقالت : أو بعد هذا فصاحة ، بعد قول اللّه تعالى :
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ
« 1 » الآية ، فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين « 2 » ولقد كان مسيلمة يعارض القرآن الكريم بخرافات وأقوال سخيفة ، ذكر طرفا منها الباقلاني في كتابه ، .
« إعجاز القرآن » . وهي معارضات لا يمكن أن توزن بالقرآن في سموه وجلال إعجازه بأية حال ، وقد أصيب مسيلمة بالخزى والذل والهوان أمام نفسه وعند الناس .
ويقول صاحب الشفاء : روى أن ابن المقفع طلب معارضة القرآن ، ورامه وشرع فيه :
فمر بصبي يقرأ :
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ
« 3 » ، فرجع فمحا ما عمل ، وقال : أشهد أن هذا لا يعارض وما هو من كلام البشر ، وكان من أفصح أهل وقته . وكان يحيى بن حكم الغزال بليغ الأندلس في زمنه ، فحكى أنه رام شيئا من هذا ، فنظر في سورة الإخلاص ليحذو على مثالها وينسج بزعمه على منوالها . قال : فاعترتنى منه خشية ورقة حملتني على التوبة والإنابة . « 4 »
ويتهمون المتنبي والمعرى وغيرهما بمعارضة القرآن الكريم ، وهذا لم يصح عن أحد منهم .
وما روى من آثار معارضة القرآن لا يوافق ذوق على وضعه في كفة واحدة مع القرآن الكريم ، ويقول الدكتور طه حسين : نستطيع أن نطمئن إلى أن القرآن لم يجد له مقلدا ، ولم يجد له تلميذا . هو واحد في بابه ، لم يسبق ولم يلحق بها يشبهه « 5 » .
ويقولون : إن أمية قد وقعت منه في شعره عدة معارضات للقرآن الكريم . وحاش لله أن يوزن شعر أمية الديني الذي نظمه بعد بعثة الرسول ببلاغة القرآن الكريم ، ولقد نظم أمية قصصا دينية كثيرة ، كقصة مريم ، وقصة إبراهيم ونوح وغيرهم : ولكن أين هذه القصائد من هذا الإعجاز وذلك السحر القرآني العظيم ، والكونيات في شعر أمية والأساطير وقصص خلق العالم ، وقصص الأنبياء ، كل ذلك لا يقبل ذوق أن يعده معارضة للقرآن ،
هامش
( 1 ) سورة القصص : الآية 7 .
( 2 ) المرجع : ج 1 ص 221 .
( 3 ) سورة هود : الآية 44 .
( 4 ) الشفاء للقاضي عياض ج 1 ص 232 طبعة 1312 ه .
( 5 ) حديث الشعر والنثر للدكتور طه حسين ص 32 .