وأن هذه الشبهة مبتنية على أن يراد من لفظي التأويل والتنزيل ما اصطلح عليه المتأخرون من اطلاق لفظ التنزيل على ما نزل قرآنا ، وإطلاق لفظ التأويل على بيان المراد من اللفظ حملا له على خلاف ظاهره ، إلا أن هذين الاطلاقين من الاصطلاحات المحدثة ، وليس لهما في اللغة عين ولا أثر ليحمل عليهما هذان اللفظان « التنزيل والتأويل » متى وردا في الروايات المأثورة عن أهل البيت عليهم السّلام .
وإنما التأويل في اللغة مصدر مزيد فيه ، وأصله « الأول - بمعنى الرجوع » . ومنه قولهم :
« أول الحكم إلى أهله أي رده إليهم » . وقد يستعمل التأويل ويراد منه العاقبة ، وما يؤول اليه الأمر . وعلى ذلك جرت الآيات الكريمة .
وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ
« 1 » ،
نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ
« 2 » ،
هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ
« 3 » ،
ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً
« 4 » .
وغير ذلك من موارد استعمال هذا اللفظ في القرآن الكريم . وعلى ذلك فالمراد بتأويل القرآن ؛ ما يرجع اليه الكلام ، وما هو عاقبته ، سواء أكان ذلك ظاهرا يفهمه العارف باللغة العربية ، أم كان خفيا لا يعرفه إلا الراسخون في العلم .
وأما التنزيل فهو أيضا مصدر مزيد فيه ، وأصله النزول ، وقد يستعمل ويراد به ما نزل .
ومن هذا القبيل إطلاقه على القرآن في آيات كثيرة . منها قوله تعالى :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
« 5 » .
وعلى ما ذكرناه فليس كل ما نزل من اللّه وحيا يلزم أن يكون من القرآن ، فالذي يستفاد من الروايات في هذا المقام أن مصحف علي عليه السّلام كان مشتملا على زيادات تنزيلا أو تأويلا .
ولا دلالة في شيء من هذه الروايات على أن تلك الزيادات هي من القرآن . وعلى ذلك يحمل ما ورد من ذكر أسماء المنافقين في مصحف أمير المؤمنين عليه السّلام فان ذكر أسمائهم لا بدّ وأن يكون بعنوان التفسير .
ويدل على ذلك ما تقدم من الأدلة القاطعة على عدم سقوط شيء من القرآن ، أضف إلى
هامش
( 1 ) سورة يوسف : الآية 6 .
( 2 ) سورة يوسف : الآية 36 .
( 3 ) سورة يوسف : الآية 100 .
( 4 ) سورة الكهف : الآية 82 .
( 5 ) سورة الواقعة : الآية 77 - 80 .