مرتبط أوله بآخره ، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يقع فيه ارتباط ، ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه ، إلا بربط ركيك يصان عن مثله حسن الحديث فضلا عن أحسنه ، فإن القرآن نزل في نيف وعشرين سنة في أحكام مختلفة شرعت لأسباب مختلفة ، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض » انتهى .
فإن مثل هذا الكلام في ترتيب كلام اللّه لا ينبغي صدوره من عاقل فضلا عن فاضل ، إذ من الواضح إن كل من ألّف كتابا مشتملا على مطالب متفرقة وقضايا متشتتة يلاحظ البّة « 1 » في ترتيبها مناسبة وارتباطا ، فكيف بالحكيم المتعال ؟ ! .
فإن المناسبات بين القضايا المتفرقة والأحكام المختلفة كثيرة جدا ، خصوصا في نظر من كان عالما بحقائق الأشياء وجهات الأمور ، نعم فهم غير العلماء الراسخين الربانيين قاصر عن درك جميع المناسبات اللطيفة المنظورة للطيف الخبير ، ولذا لم يحم حوله المفسرون ، فلم يخض فيه المتبحرون ، نعم تكلف قليل من علماء العامة لبيانها واجالوا الفكر في هذه العرصة مع عدم كونهم من فرسانها ، وأين لهم التمكن في هذا القصر المشيد ، وأنّى لهم التناوش من مكان بعيد حيث إنهم ما ثقفوا بحبل اللّه المتين وما اتخذوا سبيلا مع الهداة الراسخين ، وأنّى وإن سلكت في هذا الطريق الزليق وغصت في هذا البحر العميق وخضت كالذي خاضوا وأفضت من حيث أفاضوا غير أني لمعرفتي بقصوري ما غصصت على ما نلت بضرس قاطع وما حكمت فيما قلت على أنه هو الحق الواقع ، بل أبديت ما يليق بالظن والاحتمال لئلّا يتوهم في ترتيب الكتاب العزيز ما توهمه هذا البعض من الأمر المحال .
قال الشيخ ولي الدين الملوي : « قد وهم من قال : « لا يطلب للآي الكريمة مناسبة لأنها على حسب الوقائع المتفرقة وفصل الخطاب ، إنها على حسب الوقائع تنزيلا وعلى حسب الحكمة ترتيبا وتاصيلا ، فالمصحف على وفق ما في اللوح المحفوظ مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف كما أنزل جملة إلى بيت العزة ومن المعجز البين أسلوبه ونظمه الباهر والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شيء عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة ، ثم
هامش
( 1 ) كذا والصحيح : البتّة .