هذه الليلة المبينة في السورتين المذكورتين آنفا على جلالة قدرها ورفعة شأنها لا بد وان يشير القرآن إلى تعيينها ولو بالإشارة ، ويؤيد هذا ما قاله الطبري في تأويل قوله تعالى :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
« 1 » الآية المارة ، بأنه يوم عرفة عام حجة الوداع ولم ينزل بعدها شيء من الفرائض والأوامر والنواهي ، ولا من التحليل والتحريم ، ولم يعش بعدها صلّى اللّه عليه وسلّم إلا إحدى وثمانين ليلة . رواه السدي وابن جريح عن ابن عباس وروى النيسابوري في تفسيره عن ابن عباس : أنه قرأ هذه الآية وعنده يهودي ، فقال : لو نزلت علينا هذه في يوم لاتخذناه عيدا ، فقال ابن عباس : إنها نزلت في عيدين اتفقا في يوم واحد ، يوم جمعة وافق يوم عرفة ، وذكرنا آنفا أنه نزلت بعدها آية :
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ
، ولا منافاة لأن هذه لا تحليل وتحريم فيها ، تدبر » « 2 » .
قال الزحيلى
: « وكان آخر ما نزل من القرآن في أرجح الأقوال ، قوله تعالى :
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
« 3 » ، وذلك قبل وفاته صلّى اللّه عليه وسلّم بتسع ليال بعد ما فرغ من حجّة الوداع ، أخرجه كثيرون عن ابن عباس رضي اللّه عنهما .
أما ما قيل وروي عن السّديّ : إن آخر ما نزل قوله تعالى :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً . . .
، فغير مسلم به ؛ لأنّ هذه الآية نزلت باتفاق العلماء يوم عرفة من حجة الوداع قبل نزول سورة النصر ، وآية البقرة السابقة » « 4 » .
قال الخفاجي
: « كانت آخر آية نزلت من القرآن الحكيم قوله تعالى :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
« 5 » ، حيث نزلت في حجّة الوداع ونزل
هامش
( 1 ) سورة المائدة : الآية 3 .
( 2 ) بيان المعاني ج 1 ص 23 - 24 .
( 3 ) سورة البقرة : الآية 281 .
( 4 ) المنير ج 1 ص 19 - 20 .
( 5 ) وفي الإتقان خلاف كثير حول آخر ما نزل من القرآن ، فقيل آخر آية نزلت :يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ، وآخر سورة نزلت ( سورة براءة ) ، وقيل آخر آية نزلت آية الربا ، وقيل :وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ- وكان بين نزولها وبين موت الرسول واحد وثمانون يوما ، وقيل تسع ليال ، وقيل آخر براءة الخ ( 44 : 1 الإتقان وما بعدها .