تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم التفسير — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
ولكن بقليل من التتبع لآراء الطبري وتفسيره الخاص به ، نجد أنه لم يلتزم بهذه الروايات عندما أخذ يبدي رأيه في تفسير الآية ، يذكر أولا معنى الكلمات عند العرب ، ثم اعرابها مع ذكر الشواهد على ذلك من شعر أو نثر ، ثم يذكر الروايات الواردة في تفسير الآية ، صحيحة وغير صحيحة ، ثم يكر على هذه الروايات أحيانا بالنقد أو النقض ، ثم يأخذ في بيان رأيه في تفسير الآية ، غير ملتزم بما ذكره ، إلا إذا كان صحيحا ثابتا ، ويبدي رأيه فيما يؤخذ منها من أحكام ، غير متقيد غالبا برأي امام فقيه معين ، مع أنه كان شافعيا ، حتى قيل عنه إنه كان صاحب مذهب فقهى خاص به ، اندرس لعدم شيوع تلاميذ له ينتصرون لآرائه ، ويجادل مع ذلك المتكلمين من أصحاب المذاهب الكلامية ، ملتزما خطة السلف مدافعا عنها . ومعنى ذلك كله . . أن الرجل كان له رأى واتجاه بارزان ، وتفسيره الخاص به الذي يبدؤه بقوله : « قال أبو جعفر . . أو يقول : والرأي عندنا ، أو التأويل عندنا أو مثل ذلك . ويبين هذا الاتجاه الاستقلالى بوضوح . . فهو لم يكن - اذن - أسير الروايات الكثيرة التي ذكرها ، ولا أسير أقوال العلماء الذين سبقوه ، لأنه أحيانا يرد عليهم وينقض قولهم . . فهو مفكر مستقل ، له رأيه في معنى الآية ، وفيما يستنبط منها من أحكام ، وآراؤه في غاية الاتزان العقلي ، ولا سيما عندما يتناول بعض الأشياء التي كثر الجدل فيها ، كالأشياء التي ذكرناها وكالمتشابهات مثل اليد والعين الخ . . والطبري بهذا يوضع في مقدمة أهل الرأي في التفسير ، إذا فهمنا الرأي على أنه الذي ينتهى إليه الانسان بعد دراسة عميقة متجردة من الأهواء ، التي تعصف بعقول العلماء ، وتحملهم على لي عنق الكلمات القرآنية لتوافق أهواءهم أو مذاهبهم . . فالذين يفهمون إذن أن تفسير الطبري من التفسير بالمأثور ، بسبب كثرة الروايات الواردة فيه ، غير دقيقين في الفهم ، لأنه لم يتقيد بهذه الروايات ولم يكن أسيرا لها . . .