وهذا أيضا من الأدلة التي ترد على المستشرقين في رأيهم في نشأة القراءات واختلافها ؛ إذ لا يمكن أن يرجع هذا إلى خلو المصحف من النقط والشكل .
وبحسبنا هذا القدر ، في هذا المقام ، ومن أراد زيادة ، فليرجع إلى الكتب التي عنيت بضبط القراءات ، وألفت في رسم المصاحف العثمانية .
ونأتى أخيرا بعد هذه المقدمة المهمة لنجيب على السؤال السابق ، هل كان رسم المصحف توقيفيا أم اجتهاديا ؟
فنقول : لقد ذهب جمهور علماء المسلمين سلفا وخلفا إلى أن رسم المصحف توقيفى ، ولا تجوز مخالفته ، واستدلوا على رأيهم ذلك بعدد من الأدلة هي :
أولا : أن القرآن الكريم كتب كله بين يدي النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكان يملى على كتاب الوحي ، ويرشدهم في كتابته بوحي من جبريل عليه السلام .
ومما يروى في هذا : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لمعاوية : « ألق الدواة وحرف القلم ، وانصب الباء ، وفرق السين ، ولا تعور الميم ، وحسن الله ، ومد الرحمن ، وجود الرحيم ، وضع قلمك في أذنك اليسرى ؛ فإنه أذكر لك » ، وهذا الحديث وإن اختلف فيه الحفاظ : فمنهم من يصححه ، ومنهم من يضعفه ، إلا أن مما لا شك فيه ، أن القرآن كتب جميعه بين يديه صلى اللّه عليه وسلم ، وأقرهم عليه ، والتقرير أحد وجوه السنن المعروفة ، كما هو معلوم في علم : « أصول الفقه » ، وعلم : « أصول الحديث » .
ثانيا : إطباق القراء على إثبات الياء في :
وَاخْشَوْنِي
[ 150 ] ، في البقرة ، وحذفها في الموضعين ، في المائدة ، وغير ذلك ، مما خولف فيه بعض نظائر كثيرة ، بالحذف ، والإثبات ، والزيادة في الحرف ، والنقص ؛ على ما ذكرناه آنفا ، فلو كان الرسم بالاجتهاد ، لما خولف فيه بين هذه النظائر والمتشابهات .
ولعل قائلا يقول : إن هذا نتج من تعدد كتاب الوحي ، ولكنا نقول : لو كان الأمر كذلك ، لناقش بعضهم بعضا ، في هذا ، ولا سيما أن الأمر يتعلق بالأصل الأول للإسلام ، وتوفر الدواعي لحرية الرأي في هذا العصر ، ولكن لم ينقل إلينا أنهم تناقشوا في مثل هذا .
أو أن بعضهم أنكر على بعض شيئا من هذا ، على أن هذا الاحتمال يبعد غاية البعد ، في مثل قوله تعالى :
هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ . إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ
[ الحاقة : 19 ، 20 ] .