المستشرقين : فعلماء المسلمين ، منذ قديم ، وعلى مدى الأجيال - وكما أوردنا قبلا - يدفعون هذا الرأي ، ويحاجّون أصحابه ، ويؤكدون أن ليس لأحد أن يقرأ برأيه المجرد ، وأن القراءة سنة متبعة . . . إلخ .
وقديما رأى ابن مقسم العطار جعل القراءة تابعة للرسم ، دون الاعتماد الكامل على السند ، فرد المسلمون - في شدة - قراءته .
وقيل : إن بعض الرافضة يقرءون :
وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً
[ الكهف : 51 ] بفتح اللام وبالسكون على الياء ( في المضلين ) ، يعنون : الشيخين : أبا بكر وعمر ، وظاهر أن الرسم - قبل استحداث الشكل - يحتمل هذه القراءة ، ومع ذلك ، كفّر أصحابها ؛ لسبب أساسي ، هو أن قراءتهم مخالفة للرواية الشفوية المتواترة .
وعلماء المسلمين يقولون : إن إباحة القراءات لم تقع بالتشهى ، وإنما هي بالسماع من النبي صلى اللّه عليه وسلم .
وهم أيضا يذكرون أن القراءات التي يقرأ بها - منذ الجمع العثماني - إنما اختلف القراء فيها ؛ لأن أهل كل ناحية ثبتوا على ما كانوا تلقوه سماعا من الصحابة ، بشرط موافقة الخط ، وتركوا ما يخالف الخط ؛ امتثالا للجمع العثماني الذي أجمع عليه المسلمون .
( ج ) تفنيد هذا الرأي :
ولندع النصوص التي تفند فكرة أن القراءات نشأت بعد ظهور الشكل والنقط ، مع تسليمنا بأهمية النصوص ، ثم لنلق على هذه الفكرة نظرة موضوعية لنرى إلى أي مدى تستطيع الثبات :
( أ ) إنه يبعد - منطقيا - أن يترك أمر القرآن - وهو ما هو بالنسبة للإسلام - إلى البشر يقرءونه بالاجتهاد لا بالتلقى ؛ فتتعرض نصوصه للاختلاف والتحريف .
وإذا كان أصحاب الأفكار من الناس - على مدى الزمن - يحرصون على التعبير عن أفكارهم بعباراتهم هم ، ولا يدعون لغيرهم التصرف في هذه العبارات على أي نحو ، فكيف يسوغ في القرآن أن يترك للبشر قراءته بأوجه لم يتلقوها ، أوجه هي من اختراعهم البشرى ، وهي وليدة فهمهم الذاتي ؟ ! هذا مع فارقين عظيمين جدا .
أولهما : بعد ما بين الأفكار البشرية والقرآن الذي لا بد لأتباعه أن يؤمنوا بإعجازه